بداهة أن النظام والسلطان أساس كل حكومة فاضلة . ولكن السلطان يفي بتأمين العدل للجميع ، وحينما لا يجري العدل أو تتزعزع الثقة ينهار السلطان ، ويكون من الخطأ في إدراك حقيقة الهيبة أن يتوهم إمكان إعادته بالقوة . وفي حالة إيقاف الهجرة تكون الحكومة قد ربحت بكونها أوجدت حلا موفقا فضلا عن أن هيبتها وسلطانها لا يخسران شيئا .
10 . وإنا لنثق أن فخامتكم لا تسيئون فهم العوامل التي أهابت بنا إلى تقديم هذه المذكرة ، فهي عوامل من وحي ضمائرنا قبل كل شيء ، ففي هذه الأسابيع المؤلمة ، إذ كان أبناء وطننا ، وربما أقاربنا أيضا ، يفقدون حياتهم يوما فيوما ، كما نبذل كل جهد في تذكر واجباتنا كموظفين نشعر أن ضمائرنا توحي إلينا أن نحتج على سياسة العنف التي تسلكها الحكومة على الرغم من وجود وسائل شريفة تؤدي فورا إلى هذا الشقاق وما يتولد عنه من سفك دماء وآلام تزداد يوما بعد يوم .
11 . نقدم هذه المذكرة في نسخ أربع كي ترفع حالا إلى وزير المستعمرات ، وبالنظر إلى خطورة الحالة ومركزنا الحرج نرجو أن تبرقوا فخامتكم محتوياتها إلى الوزير ، وأن تتفضلوا بتبليغنا الجواب بأسرع ما يمكن .
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
التواقيع
ملاحظة : إن فخامة المندوب السامي الذي وقعت إليه هذه المذكرة هو ما كمايكل .
لم يترك عرب فلسطين مناسبة إلا واستغلوها للخلاص من وعد بلفور المشؤوم ، فعندما تأكدوا بأن الأتراك إثر ثورة مصطفى كمال أتاتورك الذي قضى فيها على الملكية ، وانتهت الحرب التركية اليونانية عقد مؤتمر دولي في لوزان 23 سنة 1922 ، اعتبر الأتراك الأراضي العربية التي سلخت عن الدولة العثمانية ما زالت تابعة لتركيا بما فيها فلسطين ، وهكذا قام وفد إلى لوزان مؤلف من المغفور لهم موسى كاظم باشا الحسيني رئيسا ، ووديع البستاني وأمين التميمي عضوين ، فزار أنقرة وحال إقناع حكومتها بتأييد مطالب العرب ، وقد خدم هذا الوفد القضية ، ولما عاد إلى فلسطين جرت له استقبالات رائعة في البلاد أعرب الشعب فيها عن تقديره . كنت ومحمد عارف القسطنطيني وسليمان الوعري في ساحة باب العامود وشاهدنا المظاهرة الشعبية الضخمة التي سارت من المحطة إلى المدينة تهتف بحياة فلسطين العربية ، إلا أن مدير البوليس - آنذاك - المستر كونيلي غضب وحاول تفريق المظاهرة ، ولكن لم يتمكن فانقض ورجاله الإنكليز من جنود وبوليس بإطلاق النار على الشعب ، فوقع 33 شخصا مصابين بجروح بالغة ، و 20 آخرين بجراحات خفيفة .
وعندما دخلنا في إضراب سنة 1936 قامت مظاهرات في القدس وحيفا ويافا ونابلس ، ووقعت اصطدامات بينهم وبين اليهود والبوليس ، وعندما تجددت الاعتداءات اليهودية على منطقة حدود يافا وكان 19 نيسان ثم الإضراب في جميع المدن معلنين احتجاجهم كما جاء أعلاه ، وشعر العرب بأنهم أمام معركة حياة أو موت مع الاستعمار ، ولما تلكأت الأحزاب عن