ثم تواشيح أندلسية ثم عزفي على جملة آلات موسيقية شرقية حتى أمضيت الوقت الأكبر من حياتي فيه ، لكثرة ميلي وحبي إليه ، هل تعتقد أن أولادي وليس الغريب يعمل ما عملته ؟ لا وألف لا .
فجن جنون الدكتور لخمان ولكنه أصر على ما كان عليه ، وقال لا . . هذا خطأ ، فإني أفضل أن يكون واصف جوهرية . .
بين عشرين ألف عربي ممن يتقنون اللحن والأداء على الطريقة القديمة كما قلت سابقا ، وهذا ليس له دخل البتة من الوجهة السياسية ، لأن الفن وخصوصا الموسيقى عند الجميع هو فن .
كنت أزوره في بيته المتواضع الذي يحتوي على كتب عديدة من الموسيقى أمثال سفينة شهاب - كامل الخلعي - كتاب الأغاني وغيرها . وكان عنده من مجموعته القيمة طائفة من الأسطوانات الألمونيوم الصغيرة الحجم مسجل عليها أغاني أهل المغرب فلكلور . . . وهي - والحق يقال - مجموعة قيمة حقا .
وعلى آلة التسجيل هذه قد سجل الكثير على أسطواناته من صوتي لعدة قطع طقاطيق ، وتواشيح ، وعزف منفرد على العود ، والربابة ، والطنبور ، والجنبوش ، عبارة عن سبع عشرة أسطوانة ، كان يسمعها إلى موسيقى الأجانب ، وخصوصا اليهود الألمان منهم في مناسبات ومحلات عديدة بالقدس . وعندما توفي الدكتور لخمان « 1 » تأثرت جدا رحمه اللّه رحمة واسعة ، وقد فهمت أن جميع تركته من آلات التسجيل وأسطوانات لقطع عربية صرفة ، بما فيها أسطوانات صوتي وعزفي انتقلت من بيته في القدس ، وحفظت في الجامعة العبرية للذكرى . وإني لن أنسى تلك الأوقات التي قضيتها مع هذا الفنان الكبير والمستشرق العالم في الموسيقى الشرقية . . . فسقيا لتلك الأوقات !
وقد أشار إلى رئيس المعهد الموسيقي اليهودي بأنه من الضروري أن أكون معلما فيه للموسيقى العربية ، وهكذا كان فتعينت هناك شرفيا بدون مقابل ، وكنت من أعز الأصدقاء للمدير المستر هوزر ألماني اليهودي العظيم ، ثم المستر أبيليا أيضا ولكن لم أداوم على هذه الوظيفة نسبة لما كان يحدث من ثورات وعراك بين العرب واليهود إبان الانتداب البريطاني . وعلى ذكر المستر هوزر الموسيقي وعازف الكمان الشهير تزوج من سيدة ربما تكون أكبر من والدته في العمر ، ولكنها فاضلة ، تزوجته لفنه . وهذه السيدة هي الدكتورة المشهورة دكتورة صحة للأطفال المعروفة بالدكتور كاكان في القدس ، وكانت هي الطبيبة لأولادي جميعهم ، ولن أنسى معاملتها الطيبة وإخلاصها لنا وحبها وتفانيها للأولاد .
وهكذا كان بيتنا في النيكوفورية محجة لفن يزوره الفنانون على اختلاف أنواعهم ، ولا فرق لأن الفن للجميع ، الأمر الذي أكسب أولادي تقديرهم وتفهمهم للفنون الجميلة منذ نشأتهم ، وخصوصا يسرى ، فإنها نشأت وترعرعت بين الموسيقى الغربية والعربية فزادها علما ، وأصبحت منذ الصغر يشار إليها بالبنان . . . وإني واثق بأنها تكون من نساء المستقبل اللواتي لهن شهرة عالمية في الموسيقى . . . إنه على كل شيء قدير .
المحامي المستر الترمن من يهود القدس القدامى
ذكرت في هذا الكتاب الشيء الكثير عن حياتنا المرحة في دائرة الإيرادات لمدينة القدس ، وكيف كنا نقضي أوقاتا جميلة ونكات لذيذة ما بين الزملاء من الموظفين أمثال الإخوان يحيى حمودة « 2 » وسليمان فراج ، وحنا سويدة ، وإبراهيم بركن ،
هامش
( 1 ) إذا كان الحديث عن روبرت لخمان فقد توفي العام 1939 .
( 2 ) وقد أصبح حمودة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بعد استقالة أحمد الشقيري العام 1968 .