تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
الذين يجهلون النوتة الإفرنجية والطريقة التي كنت أقتبس هذا الفن عنهم ، وأصبح مغروسا بذهني ولن أنساه ليومنا هذا . . . وكان هذا الحديث وكأنني كما يقولون " يشفي به غليله " ، وكان هذا الذي يفتش عليه ، وكأنني كنت كما يقولون " أحك له الجرب " . . . وقد أخذني إلى كثير من الاحتفالات الموسيقية العلمية في المعهد الموسيقي العبري ، ثم في الجامعة العبرية ، وحتى في الكلية العربية ، وكان يخطب في المجتمع مشيرا إليّ وإلى غنائي وعزفي ، ويقول [ هذا اللون وهذا الفن الذي أود أن يسير عليه وعلى طريقته العرب بل الشرق كله ] . ويضيف قائلا إن الموسيقى العربية هي عاطفية ولا يمكن ولا بصورة من الصور أن تنسجم والنوتة الإفرنجية . وإني أجزم بأن الموسيقي العربي الذي سار على النوتة الإفرنجية لا يعتبر موسيقيا لعدم إمكانه من تطبيق صوته وأدائه للألحان العربية المركبة حسب النوتة الإفرنجية مطلقا ، بل يكون فنه ناقصا ولا عذوبة فيه لأنه - بحسب اعتقادي - عندما يرتكز بحسب الطريقة العربية على وجود الربع في السلم الموسيقي العربي [ المؤلف من 24 ربعا ] متضاربا مع الاثني عشر نصف نوتة الغربية ، ويصبح في نتيجة سوداء ذهبت فيها العذوبة العربية . وإني أذكر بأنه أعطى محاضرة قيمة في هذا الموضوع خصوصا حول الإيقاع عند العرب والفارق العظيم بينه وبين الإيقاع الإفرنجي الذي لا يتجاوز الثمانية إيقاعات ، مشيرا إلى أن الضروب العربية تزيد على الاثنين والسبعين ضربا ، وعليها يعتمد اللون الكلاسيكي المعروف بالموشحات . وتطرق بعد ذلك إلى الألحان العديدة المبنية على الربع مثل الصبا ، والبيات ، والسيكا ، والبستكار ، وغيرها ، وعدم وجودها عند الغربيين ، واستحالة تطبيقها على آلاتهم الثابتة . وكانت [ محاضراته قيمة وقد قدمها في أماكن عدة منها ] : 1 . الكلية العربية زمن المربي الكبير أحمد سامح الخالدي ، وكنت أعزف على عودي وأغني ما يكتب نظريات الدكتور لخمان بحضور تلامذة الكلية وأساتذتها والمفتش المستر ستيورت ، وقد احتفظت بهذه الكلمة ضمن المجموعة الجوهرية . 2 . الجامعة العبرية على جبل سكوباس بحضور المستشرقين والموسيقيين الأجانب ، خصوصا اليهود الألمان منهم . 3 . النادي الموسيقي اليهودي ، وهناك كانت لنا اجتماعات عديدة في هذا الصدد . وكان الدكتور لخمان عندما يستهل حديثه ليثبت قوله عمليا بواسطة عزفي وغنائي لا ينسى ، بل كان دائما يذكر وجوب تعلم الموسيقى العربية كما تعلمها واصف صاحب هذا الكتاب فقط ليس إلا ، أي من المعلم إلى تلميذه يعطيه القطعة الموسيقية تلو القطعة الأخرى إلى أن يحفظها غيبا عن ظهر قلب - ثم يحفظ بيده الضرب والإيقاع بالكف واليد المبسوطة ليظهر ( الدم والتك ) في إيقاع الموشحات وهكذا . . . إلى أن أوقفته وتحدثت مرة بحضور خيرة الموسيقيين فقلت : يا دكتور لخمان : إني أوافق معك بأن الموسيقى العربية عواطف وطرب أكثر من الغربية منها ، وإثباتا لكلامي أن المستمع إليها عندما يطرب لا يستطيع كبح نفسه إلا عندما يتأوه ويقول آه . . . آه . . . كمان ويريد تكرار قطعة صغيرة مؤلفة من بعض الدرجات الصوتية القليلة مثل الصبا وغيره ، والبعيدة عن الهارموني والفلسفة الغربية ، حتى أن العرب بعد الإسلام سمح لهم النبي محمد بأن يرتلوا القرآن ترتيلا . . . والجدير بالذكر أنه في الوقت ذاته ولثقته بهذه العواطف قد سمح للمستمع لهذا الترتيل الديني بأن يقول اللّه . . . اللّه . . اللّه . . للمقرئ تغذية لروحه وطربه حتى في الدين .