المستشرق الألماني الدكتور لخمان « 1 »
عرفت الدكتور لخمان - دكتور في الموسيقى - بواسطة صديقي الفنان الغربي المستر ستيورت أحد مفتشي المعارف في حكومة الانتداب البريطاني بالقدس .
وقبل البدء بالحديث عن الدكتور لخمان أحب أن أعلم القارئ عن المستر ستيورت ، فهذا الرجل الفنان كان يسكن بيتا من بيوت عائلة النمري محلة النمامرة في البقعة بالقدس ، وإذا ما رأيت هذا البيت ومن أول دخولك له تتأكد جازما أن صاحبه فنان عظيم لما يحتويه من أثاث وتحف شرقية نادرة تدل عن ذوق سليم في اقتنائه ، خصوصا الأثاث الشرقي ذا الطابق المصري القديم المصنوع من الخشب النادر ، وبدون صباغة ، وتبهرك النقوس والحفر الذي فيه بصنعه دقيقة وفنية جميلة وفي منتهى العظمة . كنت أرتاح جدا لمشاهدتي بيته ثم هناك الطبلاوات « 2 » من مناظر طبيعية خلابة وأزهار وورود رسم يدوي بالزيت تدل على أنه رسام باهر . فكان يزورني وأصدقاءه زيارات عديدة لمشاهدة المجموعة الجوهرية وذخائرها ويثني على ذوقي النادر ممن عرفهم من العرب في الشرق الأوسط ، خصوصا وأنا لست من أثرياء البلاد ، بل كنت موظفا بسيطا ولم أترك فلسطين ، ولم أتذوق مشاهدة النفائس الشرقية النادرة في الأقطار العربية المجاورة .
وكان لعظم محبته لي يرشدني في كثير من هذه الأثريات من حيث قدمها وقيمتها ، وقد اكتسبت منه علما لا أنساه ، وله مني الشكر دائما أبدا . وكان في كثير من الأوقات يصحبني معه إلى تل أبيب ، وهناك قضينا أوقاتا جميلة في زوايا تل أبيب ، وقد عرفني وكان أخي توفيق معي عرفني على السيدة ، رئيسة الرقص والإيقاع في طابق سفلي وبهو كبير يضم مجموعة من حسان آنسات اليهود الشرقيين ، كن يتعلمن الأهازيج والدبكة هناك ، وقد كررنا هذه الزيارة فأخذت هذه المعلمة مني ما أعرفه من دبكة وغناء وأهازيج التي كنت ذكرت عنها في أول كتابي هذا عندما كنت أعزف الربابة والطنبور في أول العمر فسرت مني كثيرا .
وإني أقولها صراحة إن المستر ستيورت كان كما يشاع من ذوي الأخلاق الفاسدة . . . ومعروف عنه بين سائقي السيارات من أبناء القدس ثم في المجتمع . . . وكان ساكنا في بيته بدون شريكة حياة ، الأمر الذي يوجب الظن بسلوكه وأخلاقه ، وهذا بالطبع خاص به وليس لنا دخل واللّه أعلم بالسرائر .
أرجع وأقول إن المستر ستيورت عرفني على الدكتور لخمان ، وكان اللقاء في بيتي " المجموعة الجوهرية " . وكان لخمان يحسن اللغة العربية فتباحثنا في الفن والموسيقى ، ثم أسمعته مجموعة كبيرة من الأغاني التي أحفظها من مختلف الأنواع من غناء الفلاحين إلى غناء المدنيين في مصر وسوريا وفلسطين ، ثم التواشيح الأندلسية والمواويل والطقاطيق والقصائد ، وعزفت له على بعض الآلات مثل الربابة ، والطنبور ، والطنبور الهندي ، والجنبوس ، ثم على رئيس هذه الآلات الموسيقية ألا وهو العود ، فسر جدا وطرب ، وقد لقبني بحضور المستر ستيورت ب " إنسايكلوبيديا الموسيقى العربية " .
وهكذا لم ينقطع الدكتور عن الاتصال بي والاجتماع بي في بيتي يواصل أبحاثه الموسيقية معي ، ويأخذ الكثير مني عمليا على العود من حيث السلم الموسيقي العربي الحديث ، ثم من حيث الإيقاع حسب ما كنت أتعلمهما نقلا عن الأساتذة القدامى
هامش
( 1 ) روبرت لخمان ( 1892 - 1939 ) كتب تقرير بالألمانية حول موسيقى الشرق مؤرخ 27 أبريل 1930 ، وله ترجمة لكتاب الكندي وحول اليهود وموسيقاهم في جزيرة جربة ، وكتاب نشر عام 1929( Musik des Orients )بالألمانية .
( 2 ) تابلووات : ترجمة عن الفرنسية بمعنى لوحات .