ثم أذكر للقارئ أن الدعوة التي كانت ترسل للمدعوين من عائلات أعيان ورؤساء الدوائر الإنكليز ، لم تكن من الأرمن ، بل ترسل هذه الدعوة من قبل حكومة الانتداب مباشرة . . . الأمر الذي كنت أعجب منه كل الإعجاب .
وقد لفت نظري أن البطريرك بدلا من غسل أرجل التلاميذ بالماء ، كما كان يمثل بطريرك الروم الأرثوذكس في الصباح ، كان بطريرك الأرمن يضع قليلا من الزبدة البيضاء بواسطة سكين خاص فضي على الرجل [ المقصود القدم ] . أما ألحان الاحتفال الديني هذا ، فأقولها صراحة بأنه يطرب ، فكنت أستمع إلى ألحان من مقام الحجاز كار الصافي المنسجم مع [ أصوات ] آنسات الكورس [ الجوقة ] . والجدير بالذكر أن الصوت الرجالي المشبع العريض المعروف بال
Base
لهو من الأصوات الفاتنة . وكانت كنيسة مار يعقوب هذه مكتظة بالجمهور الأرمني والإنكليزي سواء بسواء .
سبت النور المقدس داخل القيامة
كتبت عن هذا الاحتفال إبان الحكم العثماني ، « 1 » وبقيت العادات القديمة بدون زيادة ولا نقصان ، إنما أزيد ما أعرفه وأنا بحكم الوظيفة زمن الانتداب البريطاني :
كنا نؤمن المدعوين من عائلات الإنكليز لمشاهدة احتفال سبت النور المقدس في محلات عديدة داخل كنيسة القيامة ، أهمها والي الرؤساء الممتازين في الحكومة من البلكون ] أي الشرفة المرتفعة [ مقدس عن كنيسة الروم الأرثوذكس المعروفة ( بنصف الدنيا ) ، والمقابلة لباب قبر المسيح شرقا . ثم ( الكليري ) التي تشرف على ساحة القيامة من المدخل والمصعد لهذه الكليري هو من كنيسة الجلجلة « 2 » للأرثوذكس ، ثم الساحات التي بحذاء الجلجلة المشرفة أيضا على باب الكنيسة من الداخل فوق المغتسل ، ثم يوجد ثلاثة شبابيك للأرمن المطلة على القبر ، فكنا نستعمل شباكين منها والشباك الثالث هو معد لغبطة بطريرك الأرمن وحاشيته من المطارنة .
والجدير بالذكر في هذا الصدد أننا - أي الحكومة - كانت تستعمل النوافذ السبع العائدة لطائفة اللاتين والمطلة على القبر [ يقصد قبر المسيح في داخل كنيسة القيامة ] لمدة سنوات قليلة بعد الاحتلال البريطاني ، وكانت هذه الشبابيك الفسيحة نعمة لعائلات رؤساء دوائر فلسطين الإنكليز . ولكن لسبب ما ، وفي زمن غبطة البطريرك بارلاسينا ، رفضت اللاتين تقديمها للإنكليز مطلقا . وبصفتي - كما يقولون - مخضرما شاهدت هذه الاحتفالات القيمة زمن تركيا ، ثم زمن الإنكليز ، فإني أقولها صراحة إن العهد التركي ، وخاصة رجالات الحكم كانت تظهر للشعب على اختلاف دياناته وطقوسه وعاداته وتقاليده ، كانت تظهر احتراما زائدا وتشعر معه كثيرا نسبة لرجالات دولة الانتداب ، فكانت تفضل الإنكليز والإنكليز وبس . . . عن باقي الجمهور لدى مشاهدته هذه الاحتفالات ، فكنت أشاهد - ومع الأسف الشديد - كيف كان مدير البوليس البريطاني يضرب حجاج مصر الأقباط بالسوط عندما كانوا يحاولون دخول باب الكنيسة . . . كيف لا وهذا المسكين سافر وضحى بكل ثمين وجاء حاجا لبيت المقدس ، وكان ينام في الشوارع والأسواق في حي النصارى بحالة مخزية ، وكله إيمان وجلد ودين ينتظر بفارغ الصبر مشاهدة خاتمة احتفالات الآلام المقدس ألا وهو سبت النور .
هامش
( 1 ) الكتاب الأول ص 63 .
( 2 ) وهي الجلجلة التي تقع داخل كنيسة القيامة ، ويعتقد بأنها التلة التي صلب عليها السيد المسيح .