تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١

عازف الكمان الأستاذ توفيق الصباغ

بعد أن [ أجلست ] بدوري ضيوفنا الإنكليز في [ الأماكن المخصصة لهم ] لمشاهدة احتفال سبت النور المقدس داخل كنيسة القيامة تركتهم وشأنهم ، وجئت للراحة كما كانت عادتي على المصطبة المعدة لعائلتي نسيبة وجودة المسلمتين في باب كنيسة القيامة . « 1 » وشربت القهوة السادة المحفوظة في خزانة خاصة لأخي وصديقي الشيخ أديب جودة ، وكان الجمهور من مختلف الطوائف حاملا بيده الشموع وينتظر فيضان النور المقدس ليضيء الشموع منه . وعند الساعة الواحدة والنصف تقريبا ، قرع الجرس الكبير العائد للروم الأرثوذكس ودوى رنينه داخل الكنيسة . [ وكان المشهد ] خلابا ، إذ صاح الجمهور ابتهاجا بالنور المقدس . وزاد الابتهاج بزغاريد حجاج مصر الأقباط ، وأناشيد شباب الروم الأرثوذكس القادمين من مختلف البلدات المحيطة بالقدس ، وضربت الأجراس والنواقيس والصنوج على اختلاف أنواعها لدى كل طائفة لها الحق من روم ، وأقباط ، وسريان ، وأرمن ، وغيرهم وأصبح الجميع في فرح وابتهال ، هذا يصلي ، وذاك يغني ويمدح سبت النور [ وما إلى ذلك ] . وما هي إلا دقائق حتى كنت تشاهد كل فرد من هذا المجموع يشع بيده النور ويتبرك منه . حقيقة أنها فرجة من العمر يعجز القلم عن وصفها . وعندما كنت واقفا مبهوتا بمشاهدة هذا المنظر ، إذ صادف وجود رجلين من المصريين أمامي ، والجدير بالذكر أن أحدهم خاطب الأخر بلهجة مصرية لطيفة تنم عن دهشة واستغراب قائلا [ اللّه . . إيه ده يا أخي ؟ ! ! . . ] ولكن هل تدري ما أجابه الآخر ؟ طبعا والنكتة خلقت في دم المصري . أجابه على الفور [ اللّه يا أخي ما احنا في القيامة ! ! ] . وهنا جن جنوني لهذه النكتة البديهية التي ترمز إلى يوم الآخرة أي القيامة ، وضحكت لهذه التورية اللطيفة ودخلت بنفسي شخصا ثالثا وتعرفت عليهما ، وإزادت دهشتي أنني تعرفت بواحد منهم وهو يقول لي : الكمنجاتي توفيق الصباغ . سررت جدا وبقيت معهما ودعوتهما إلى بيتي ، وبالفعل قبلا الدعوة وتناولنا طعام الغذاء نهار سبت النور . زارني بعد عيد الفصح وحده وأقام عندنا يومين وتباحثنا في فن الموسيقى العربي وأعجبت جدا بي وبما أملكه من آلات موسيقية شرقية وما يحتويه بيتي والمجموعة الجوهرية من جميع ما يمت إلى فن الموسيقى بصلة من تسجيلات قديمة نادرة لأروع الملحنين والمطربين القدماء ، ثم شاهد رسوم هؤلاء الموسيقيين ضمن التحف الشرقية واستمع إلى عزفي وغنائي وأصبح من أصدقائي . اشتغل على كمانه على مسرح قهوة المعارف باب الخليل بالقدس ، وقد شاهدته ودهشت من عزفه ، إذ عزف بشرف طاثيوس راسف على وتر واحد فقط كان مشدودا على كمان خاصة ، وكانت هذه عبقرية خارقة ولا يستطيع سواه أن يعملها وقد حصلت على كتابه النوتة لمجموعة من ألحانه وتدوينه لقطع موسيقية شرقية خالدة . وعليه ، اعترف بأنه من أقدر موسيقيي العرب عندنا ، خصوصا المعروفين بعلم النوتة الغربية . وأخيرا أقول إن الأستاذ أخي وصديقي سامي الشوا يفضل عنه بشيء واحد ، ألا وهو التقاسيم . . . التقاسيم العربية الصرفة على الكمان ، وعلى الأخص ما يسمونها العفقة الأخيرة من التقسيمة . . . فقد اختص فيها سامي ، ولكن من جهة علم الموسيقى والنوتة فالصباغ الأفضل . هذه هي قصة معرفتي بصديقي الأستاذ توفيق الصباغ .
هامش
( 1 ) يقصد واصف المصطبة في داخل الكنيسة المخصصة تاريخا لأفراد من عائلات القدس المسلمين الذين أوكلوا بمهمة فتح وإغلاق الكنيسة ، كون الطوائف المسيحية قد اختلفت حول أي منها ستكون صاحبة الحق في هذا الامتياز . يعتقد البعض أن تخصيص هذه المهمة لبعض المسلمين يعود لأيام فتح القدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب . لكن هذا التقليد في الغالب يعود فقط للعهد العثماني .