تعجبت ودهشت من هذا الحكم الجائر وأنا وأختي عازمان على السفر وترك أولادنا وعائلاتنا بمهمة صحية حسب مأذونية رسمية ورجوت البرامكي وعشور أن يبلغا بأنني قد تركت القدس قبل حضورهما بقليل ، ووعداني بطيبة خاطر فرجعا وبلغا السيد منطورة وأنا وأختي بدورنا تركنا القدس .
وصلنا البحر الميت وإذ بأفراد بوليس المنطقة هناك تأمرني لمواجهة الضابط ، فدخلت الخيمة وإذ كان الضابط - ولحسن الحظ - من أعز أصدقائي المخلصين ، ألا وهو الأخ كامل أفندي الإيراني الجريء في مواقفه . بادرني الأخ كامل [ خير يا واصف لم أعهدك إلا من أحسن موظفي الحكومة خلقا ونزاهة ! ! لقد استلمت أمرا تلفونيا من دائرة حاكم القدس بأن ألقي القبض عليك لدى وصولك في الحال وإرجاعك مخفورا في السيارة ذاتها التي معك إلى الحاكم ] !
أجبته بدهشة باشا ليش أنا جاني ؟ ثم بلغته حرفيا عن ما حدث وعن بساطة المسألة وفي الوقت ذاته لم أكن مكلفا بتسكير اليومية ، بل أشرف على تسكيرها ، وقد وجد من يقوم بهذه المهمة التافهة . صمت قليلا وكان موظفا جريئا - كما قلت سابقا - وقال أقعد . . . وأنا أكذب منطورة ورب منطورة . . فجلسنا وشربنا المدام وكانت سهرة لطيفة على الشاطئ تجلى فيها كرم ابن العم ثيودر سعد . ولكن خوفا من الطاغية السيد منطورة راجعت زوجتي سرا المحامي صديقنا عوني بك عبد الهادي ، ونصح أن لا نقوم بأي عمل من شأنه أن يزيد منطورة تمسكا ، وهو ولا شك الرئيس وكلامه مصدق لدى الحكومة أكثر بكثير من المرؤوس ، وبواسطته إداريا رجع السيد منطورة على مراجعة البوليس كتابيا والحمد للّه . ورجعت أنا ودخلت بين الموظفين وحدي رافعا الرأس وليس مخفورا ، وقابلت منطورة الذي اعترف بخطئه وكان كثير بين الأصدقاء في اجتماعاتنا الخاصة يندم على فعله معي ، ويقول [ نعم إني أسأت كثيرا لواصف ] سامحه اللّه .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 482
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٨٢