عشور عضوا في لجنة التخمين الذي كنت أترأسها لسنين عديدة بصفته ملاكا ومختارا وخبيرا في جميع ضروب البناء والشعب على اختلاف أجناسه بالقدس .
وإني أدون للقارئ الكريم هذه الحادثة الطريفة لتعطي فكرة مصورة عن خفة دم وروع هذا الشخص النادر :
كنت وعشور المساح بركن اليهودي ، والأعضاء الحاج إسماعيل النجار والمستر ليفي نقوم بتخمين قطعة رقم 16 محلة الوعرية في البقعة الفوقا ، وندخل البيت تلو البيت في تلك المحلة ، وكان حسب عادته - أي محمد عشور - خاليا من الأسنان في فمه ، ويتحفنا من الأحاديث والنوادر والفكاهة بصورة تجعلنا لا نعرف كيف ذهب وقت العمل . . . إبه واللّه لما هو عليه من ذكاء ومرح .
وقد صادف أننا التقينا برجل يكاد يكون من عمره ، وحصلت مشاحنة كلامية وعتاب بين العم أبو عشور وبين هذا الشخص لأمر خاص لم تفهم تفاصيله ، وكان العم أبو عشور لا يفوه ولا بكلمة واحدة في آخر المطاف ، بل ظهر أنه مستاء جدا منه ، وعلى غفلة إذ وقف العم أبو عشور وأخرج طقم الأسنان الاصطناعي من جيبه ، وكان ملفوفا داخل منديل خاص وأدخله في فمه بالسرعة ، ثم بدأ يشتم والعياذ باللّه ذلك الشخص شتائم من الوزن الثقيل . . . إلى أن كاد هذا المسكين يغمى عليه ، ولم يستطع الوقوف ، بل ولى الأدبار مسرعا . . . ونحن لم نتمالك من الضحك والدهشة إلى أن راق جو المعركة للعم أبو عشور ، وهدأ روعه ، ثم أقام طقم الأسنان من فمه ووضعه في محله داخل الجيب ، وقال امشوا على بركة اللّه . . . كان مشهدا - والحق يقال - ظريفا جدا ومضحكا ، خصوصا لأننا لم نشاهد العم أبو عشور يستعمل الأسنان هذه . . . فجئته متسائلا عن السر فأجاب :
هذه الأسنان لا استعملها إلا لمثل هذه المواقف لكي أعبر فيها لخصمي نقاوة الأداء بكلمة الشتيمة . . . من حيث اللغة في الأداء ! سامحه اللّه ، فتخرج من فمي صفيه نقية .
الأخ يحيى إسماعيل حمودة
عرفت الأخ يحيى حمودة حال دخوله موظفا سنة 1928 في دائرة حاكم القدس ، وشعرت لأول نظرة أنه قريب مني فأحببته وأحبني ، وتبادلنا الكلام ثم تمكنت صداقة وفية بيننا ، وأصبح بيتي بيته وبيته بيتي بدون أدنى كلفة . لمست فيه الوطنية الصادقة وتفانيه في مرتفع مستوى أهله خاصة ، وأبناء شعبه عامة ، وأصبح الشيخ الأكبر بين المعارف والزملاء في الدوائر الحكومية عامة ، حتى كان الرؤساء في الدوائر يحسبون حسابه فلا يجرؤون على عمل شيء يتنافى والوطن . . . وكان أبو إسماعيل لهم بالمرصاد . وقد عمل بجرأة فائقة ضد كل من خولته نفسه على بيع شبر واحد من أراضي الوطن إلى الصهاينة بصفته تعين لإجراء المعاملات التي كانت تنظم مبدئيا في دائرة الإيرادات ، وتحال فيما بعد إلى دائرة تسجيل الأراضي ، وكان الويل كل الويل لذلك الشخص الذي يسير في هذه المعاملات . ولو بالفرض مشيت معاملته رغما عن إرادة أبي إسماعيل فكان يفضح أمره في السر والعلانية بين الأوساط الوطنية ، فيصبح هذا الشخص منبوذا .