ويبدو أن هذه الأغنية كان نظمها أصلا الشاعر إبراهيم القباني في مدح الملك فؤاد الأول ، إلّا إنها سرعان ما انتشرت في سورية وفلسطين ، ونسبت إلى القائد أتاتورك احتفالا بانتصاراته على جيوش الحلفاء في الأناضول .
ولاقت أسطوانة " الفؤاد مخلوق لحبك " رواجا واسع الانتشار في العشرينيات إذ كان الطلب عليها كثيرا في محلات أبو شنب للموسيقى ، المستورد الرئيسي للأسطوانات المصرية والعربية ، وذلك عندما بدأ الفلسطينيون يشعرون بأنهم خدعوا بأهداف الحكم البريطاني . « 1 »
غياب الحميمية في الحيز العام الجديد
برزت خلال الحرب العظمى أنماط وممارسات اجتماعية جديدة في الحياة المدينية ، وتبلورت في فترة الانتداب . في البداية ، تضافرت المجاعة والأوبئة والنفي الجماعي على إحداث تغييرات جذرية في النسيج الاجتماعي لعدة مراكز حضرية . في القدس تحديدا ظهرت فناءات جديدة خارج سور البلدة القديمة احتضنت هذه القيم الجديدة .
وساهم قطاع الدولة في ظهور تجمعات جديدة من الموظفين ، وفي استثمارات القطاع العام ، الأمر الذي أدى إلى تفعيل ونمو شرائح أخرى من الطبقة الوسطى في المناطق الساحلية أيضا .
في القدس برزت في الأحياء المحيطة سمات الثقافة الجديدة : التعليم العلماني ، والمقاهي ، والنوادي الاجتماعية والأدبية ، وأماكن الترفيه التي عكست نمو الأذواق البورجوازية الجديدة . ونستطيع أن نستشف من الكتابات الخاصة في هذه الفترة ، من مذكرات ويوميات ، ظهور أنماط من التعابير الفردية والانعتاق من الروابط العائلية والمذهبية . وكان التخطيط المدني في الفترة الانتدابية ، على أيدي المهندسين المعماريين ماكلين وريتشموند وغيديز وآشبي ، وعلى أيدي معماريين فلسطينيين من أمثال جورج الشبر ، ساهم مساهمة أساسية في بلورة هذه التحولات في السيكولوجيا الحضرية . نراه مثلا في تخطيط الجنائن المحيطة ، الذي تبناه تشارلز آشبي ، في الحد الفاصل بين البلدة القديمة والأحياء الجديدة ، ووجود " مسارات مميزة تهدف إلى إثارة العواطف وإيحاءات ذهنية متضاربة . " ويقول غيتلر إن هذه الهندسة المشهدية خططت عن قصد لتستحضر في أذهان الزائر " شعورا دينيا وعاطفيا عن المدينة وأسوارها ، مبنيا على تراكم قرون من التاريخ المشحون . " وكما هو الحال في تصميم الحدائق الإنكليزية ، " تم وضع المقاعد الخشبية في أماكن استراتيجية لتعزيز هذا الشعور العاطفي وتقويته . " « 2 » لكن إلى أي مدى نجح آشبي ورفاقه في الوصول إلى هذا الهدف بتطبيق تصاميمهم المعمارية ، وفي الجمع بين الإثارة العاطفية واستحداث حيز من الخصوصية في التجربة الحياتية لأهل المدينة ؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال ، إلّا إنه يمكن أن نرى أثره بطريقة غير مباشرة في الكتابة الذاتية لتلك الفترة .
في مذكرات واصف جوهرية ، كما هو الحال في معظم السير الذاتية العربية المعاصرة ، تظهر لنا مفارقة جديدة . فهذه المذاكرات مفعمة بالروح الفردية الانعتاقية ، لكنها تعاني في الوقت نفسه جراء غياب الحس الحميمي . قد يبدو للقارئ أن هناك تناقضا في هذا التشخيص ، وخصوصا إذا راجعنا الكم الهائل من تفصيلات الحياة الشخصية في المذكرات ، ونزعتها إلى البوح بما هو عادة مكتوم . وللمذكرات الجوهرية قيمة خاصة ومميزة لأنها تكشف وتهزأ وتحتفل في الوقت نفسه بمجموعة من الممارسات الاجتماعية ، منها ما هو عادي وروتيني ، ومنها ما هو مستتر وغير مباح به . البوح إذا هو السر في قيمة المذكرات ، لكنه على الرغم من ذلك بوح غير حميمي . نرى المذكرات تركز على الجانب الخفي من الحياة الخاصة لوجهاء القدس وأعيانها ، وعلى سلوكيات النخبتين العثمانية والبريطانية من عسكر وسياسيين ، وعلى فضائح وبطولات الناس العاديين التي ولد وكبر واصف جوهرية في أحضانها . وهي تقلب العادي والروتيني إلى مشهد عجائبي ، وتسمح لنا برؤيته بأعين جديدة ، لكنها في النهاية تقف عند حافة البوح ولا تتعداها لتتجاوز الحاجز النفسي الذي يسمح بالمشاركة الحميمية للذات .
هامش
( 1 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 84 .
( 2 )Gitler , op . cit . , p . 39 .