تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦

نهاية حكم السير رونالد ستورس بالقدس

كما سبق وتحدثت كثيرا عن السير رونالد ستورس في فصول سابقة من هذا الكتاب ، فإني أقول أن هذه الشخصية الفذة من رجالات الإمبراطورية البريطانية ، قد لعبت دورا مهما لمصلحة الإمبراطورية وكانت من الحجارة الأساس للوطن القومي اليهودي في البلاد . فإنه ولا شك كان ستورس المحرك الأول في تركيز السياسة التي مشت عليها الإدارة المدنية بعدما تحولت من الجبهة العسكرية المحتلة لفلسطين ، فالسير رونالد ستورس وسياسته هو الذي خلق في البلاد الأحزاب وعلى رأسها الحزبان المعروفان بالحسيني والنشاشيبي ، فقد مهد مع السير هربرت صموئيل لرجوع الحاج أمين الحسيني والعفو عنه وتعيينه مفتي القدس الأكبر ، ثم رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى في البلاد ، ثم رفع رأسهم حزب الدفاع في البلاد وعلى رأسه راغب بك النشاشيبي ، فهذا العمل هو - ولا شك - كان أساسا لتفرقة كلمة أهالي فلسطين من الأساس ، وقد حاول بكل ما أوتي من قوة التفرقة ما بين المسيحيين والمسلمين ، ولكن لم ينجح ولحسن الحظ وألف الحمد للّه ، فقد كانت الجمعية الإسلامية المسيحية أقوى من قوة بريطانيا والصهيونية . كان السير رونالد ستورس من دهاة المستعمرين ، وله حوادث عديدة في هذا الصدد ، فكان يظهر بالمناسبات أنه صديق وفي للعرب ، وبذات الوقت وعند اليهود يظهر لهم بأنه من أقطاب الصهيونية ، وإني لم أزل أذكر له هذا الحادث الغريب : ذكرت سابقا من هذا الكتاب تفصيلا عن وقوع أول ثورة عربية من العرب ضد اليهود ، وبدأت بالقدس في موسم النبي موسى ، فقد ثار أهل جبل الخليل لدى وصولهم باب الخليل في طريقهم داخل السور إلى الحرم الشريف حسب العوائد المتبعة في فلسطين . وقد تعدى العرب بالفعل على اليهود الذين كانوا يقيمون على هذه الطريق ، وكانت الخسارة في الأرواح والأملاك كبيرة ، الأمر الذي أقام الصهيونية وأقعدها وقد أثر هذا التعدي على هيبة الحاكمين في البلاد من الجيش البريطاني . وهكذا استعدت الحكومة المحتلة استعدادا كبيرا في تمام اليوم الذي يدخل فيه موكب أهل جبل الخليل ، والذي يصادف دائما في صبيحة أحد الشعانين عند المسيحيين الشرقيين . كانت الثورة الأولى سنة 1920 ، وقد رأيت أيضا وشاهدت ثورة سنة 1921 ، وإليك بعض التفاصيل : أقام الجيش قوة دفاع هائلة في الثغرة التي فتحت خصيصا لدخول الإمبراطور ألماني في سور المدينة بجانب المدخل الرئيسي باب الخليل ، وهذه القوة التي عززت بالمدافع الثقيلة والدبابات وقوى الجيش المسلح بكامل الأسلحة كان يترأسها صوريا حاكم القدس العسكري السير رونالد ستورس ، راكبا على جواده وبألبسته العسكرية . لما ذا وضعت هذه القوة على الأخص في ذلك المكان من المدينة يا ترى ؟ ! ! وضعت خصيصا للوقوف في وجه الموكب العظيم وأشاوس جبل الخليل أو جبل النار كما يعرف ليومنا هذا ، ولكي لا يسير الطريق المؤدية إلى الحرم الشريف خوفا من التحرش باليهود مرة ثانية . وإني أذكر أن الجيش البريطاني قد أحضر في هذا الموسم فارسا خاصا مدربا على القبض على أي ثائر يريده بالمناسبات بواسطة حبل طويل مجدولا ومحمولا في يده ، وبهذا الحبل يستطيع أن يلقي به على عنق الثائر ويجره إليه بسهولة وقد أحضروه من السنغال على ما أعلم .