وصل الموكب في صباح الأحد إلى الجسر الواقع ما بين بركة السلطان ووادي الربابة ، وهناك تمهل وبدأ يتمختر دقه دقة ، والشباب تلعب بالسيوف والشيوخ تنشد الأناشيد الدينية ، وفريق يرقص بحلقات في الشارع وينشد الأهازيج الوطنية ، وكانت الأعلام لكل قرية ومنطقة من جبل الخليل مرفوعة ، والخيول العربية تسير على نغمات الطبول والنايات ، منظر خلاب إلى أن وصل في الثانية من بعد ظهر ذلك اليوم المشهود ، وفي هذه العقبة التي تصل ما بين بركة السلطان إلى طرف سور مدخل باب الخليل ، أخذ وقتا أكثر من ست ساعات ، وقد ذاق الجيش البريطاني والبوليس والقائمون بالمحافظة على الأمن والمحيطون بالموكب العظيم ذاقوا ألوان العذاب والعطش ، وكان الطقس صدفة يميل إلى الحر على غير عادة ، ما جعل هذا الحشد يزيد من التحمس والقوة ، وكان المتفرجون من ضفتي الطريق ومن شرفات المنازل والمقاهي والمخازن يلاحظون بأن هذا الموكب وفي عيونه تعطش للدم . . . لا بد له من عمل شيء على غفلة .
وقد صدق تنبؤ المتفرجين ، وكنت أنا واحدا منهم ، فعندما وصل أول الموكب قمة باب الخليل المعروفة بالقدس التلة ، ووجد أن باب الخليل الرئيس مغلق ، وكذلك الثغرة المعروفة في السور منيعة بواسطة المدافع والدبابات وأفراد الجيش المدجج بأسلحته الكاملة ، وبموجب إشارة الحاكم السير رونالد ستورس أخذ الموكب الأول طريقه إلى الغرب متجها إلى شارع يافا حتى مشى ما يقرب من نصف الموكب . . وفي أقل من لمحة البصر وبقوة فائقة عاد نصف هذا الموكب للخلف وقابل النصف المتأخر منه ، وأنثنى إلى ثغرة السور مهاجما قوى بريطانيا ومتحديا المدافع والرشاشات والدبابات وكل قوى الأمن ، وكان بالفعل مشهدا مهيبا لن أنساه ما دمت حيا .
ولكن هل تدري ما ذا عمل السير رونالد ستورس خوفا على كسر شوكة بريطانيا ، تلافى الأمر وهنا الدهاء فقد قلب وأظهر نفسه وكأنه عربي قحطاني . . . وبدأ يرحب باللغة العربية في هذا الموكب ترحيبا ليس له مثيل فيقول أهلا . . .
أهلا . . . بالأبطال . . . نعم تفضلوا ومعكم الحق بالمحافظة على العادة بأن تسيروا داخل السور إلى الحرم هيا تفضلوا . . .
وهكذا أنقذ الموقف وتجنب حقن الدماء وكسب أرواح الجيوش البريطانية ، وهكذا لم يتعدّ الموكب على أحد عندما رأى أن ستورس يرحب به ، وهذا ما كان يبغيه بأن يسير داخل السور وليس شارع يافا ، ويعرج على باب العامود ، وربما باب الساهرة ، ويدخل الحرم من باب الأسباط .
وقد شاهدت بأم عيني كيف أن بطلا من هذا الموكب معروف بأبي الجدايل ، وهو من القيسية ؛ أي من فلاحي جبل الخليل قد هجم على الفارس من على فوق حصانه ، وخطف منه المسدس بما فيه الحبل . . . ورجع وكأنه كالأسد وسلمهما إلى ستورس وهو راكب حصانه . . فتقبله ستورس بكل حفاوة وإكرام وأعجب من شجاعته النادرة ، " ولكن أقولها والخجل يملأ وجهي بأن هذا البطل المنوار قد سلم نفسه ونسي عروبته ، وأصبح موظفا في بوليس القدس وفي يد الحاكمين يدير شؤونهم بأمانة وإخلاص ! ! "
هذه لمحة وجيزة من ذكرياتي للسير رونالد ستورس ودهائه في فلسطين ، وهي واحدة من المئات ، وحقيقة أن هذا الرجل له الفضل الأكبر في تأسيس خفايا الوطن القومي اليهودي .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 457
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٥٧