ودعا الكثيرين من أصدقائه هناك إلى قداس خاص باسم المرحوم توفيق جوهرية ، وكأنه أخ له ، وإني أدون له تشكرات آل جوهرية فالبقاء له .
كان سامي يعتز في المجموعة الجوهرية ، وكان دائما يحضر الكثيرين من معارفه من فنانين وأدباء ويطلعهم عليها وكأنه بيته الخاص . هكذا مضت ذكريات أخي وصديقي سامي وسأكتب حوادث أكثر له في الأعداد القادمة بإذن اللّه .
مشاهدتي واستماعي لأول مرة جهاز الراديو بالقدس
سنة ظهر لأول مرة جهاز الراديو بالقدس وانتشر بصورة بطيئة في بيوت بعض المثريين لارتفاع سعره في ذلك الوقت .
ولما كان هذا الاختراع العجيب نادرا ، فقد تشوقت لمشاهدته والاستماع إليه ، وقد ابتاع جهازا أخي وصديقي الأستاذ المحامي عوني بك عبد الهادي ، « 1 » وكان يسكن - آنذاك - في حي المصرارة ، واتفقنا على إحياء حفلة عنده في صحبة أستاذي العزيز خليل السكاكيني . كانت حفلة عائلية ، وكانت نخبة من الأصدقاء ، وعندما باشر عوني بك بفتح الجهاز والظاهر أن عوني بك لا يجيد هذه الصناعة ، وبعيدا عن تقبل الأشغال اليدوية ، خصوصا الميكانيكية منها ، وبواسطة فتحة لإعطاء الصوت ، وكانت بثقل وزيادة عن اللزوم ، حصل طارئ فني في الجهاز ، وبدأ بإذاعة أصوات مزعجة لم يفهم منها شيء ، إما موسيقى أو صياح ، وهكذا حاول البعض من الحضور تصليحه بواسطة المفاتيح ولكن بلا جدوى . . .
فندبنا حظنا وتركنا الجهاز وشأنه . . . وقضينا تلك الليلة حسب عادتنا على عودي ، ثم أحاديث أدبية مفيدة كانت تدور بين الأستاذين عوني والسكاكيني .
وقد أتيحت لنا فرصة ثانية ، فأسمعت إلى الراديو في مسكن نيافة المطران إيفذوروس في دير أبو طور ، وكان رئيسا لهذه الدير والكنيسة في ذلك الوقت . ولحسن حظنا ولأول مرة سمعنا الأغاني والموسيقى من أثينا ومن القاهرة بكل وضوح ، فسررت وطربت لهذا الابتكار ، وشكرت المولى عز وجل الذي يسر لي استماعه . وبعدها رويدا أصبح جهاز الراديو منتشرا في كثير من المحلات والمقاهي ومنازل العائلات في أكثر أحياء مدينة القدس ، وقد اشتريت أول جهاز بواسطة أخي وصديقي أسد طمبو ماركة ( . . . ) ، « 2 » وأدخلت هذا الجهاز في غلاف كبير عال يشبه تاج محل ، وكتب عليه بالذهب هنا القدس ، وذلك لكي يتناسب وأثاث المجموعة الجوهرية الشرقية .
عوني بك عبد الهادي
على ذكر عوني بك عبد الهادي أعلاه ، أذكر أنه من الأصدقاء الأوفياء لنا ، فكان يزورنا في البيت ونزوره بدون أدنى كلفة ، وكانت معرفتنا إليه بواسطة صديقه الحميم أستاذي خليل السكاكيني ، وإني أقول إن عوني بك كما عرفته رغما عن مهنته كمحام قدير ، فإنه ( أديب في كل ما في هذه الكلمة من معنى وشاعر في الوقت ذاته ) ، وقد قضينا الليالي الطوال الشيقة في بيوت ، خاصة مع الأستاذ السكاكيني ، وكانا يتبادلان الأحاديث وكلها أدب وفلسفه ، وإني أذكر أيضا أن المرحوم والده عبد الهادي كان محاميا وشاعرا في الوقت ذاته ، وقد زارني - رحمه اللّه - مرارا مع أستاذي السكاكيني ، وكان يطرب
هامش
( 1 ) عوني عبد الهادي : من قادة الحركة الوطنية الفلسطينية في الفترة الانتدابية ومؤسس حزب الاستقلال الذي دعا إلى استقلال فلسطين ( سوريا الجنوبية ) في إطار سوريا الكبرى .
( 2 ) ناقص في الأصل .