تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 11

مساهمون:

صمقدمة ١١

الرؤية الجوهرية في تاريخ القدس الانتدابية

سليم تماري

اقترنت أعوام الانتداب البريطاني على فلسطين في أذهان الأجيال التي عاشت تلك الفترة بتغيرات اجتماعية مكثفة طغت على قدراتنا على تشخيص ما حدث في نهاية الحكم العثماني للمنطقة . واليوم تساهم المذكرات الجوهرية المتعلقة بالفترة الانتدابية في إزالة الغمامة عن طبيعة هذه الحقبة ، لأنها معاصرة للحدث ، ولأنها تغلب الاجتماعي على السياسي . وهي تسلط الضوء تحديدا على السنوات " العتبية " الثلاث ( 1917 - 1920 ) التي تفصل سقوط الحكم العثماني في شتاء سنة 1917 عن بداية الانتداب البريطاني سنة 1921 . نسميها " عتبية " لأنها تعالج تلك الفسحة من الحيز الذهني ( العتبة ) التي شاهدت الانتقال الاجتماعي نحو الحداثة ، والتي اتسمت بتداخل التشكيلات الإدارية والهيكلية والأنماط السلوكية في منعطفين : تلك التي سادت في فلسطين العثمانية المتأخرة ، وذروة تبلور المؤسسات الحاكمة في فلسطين الانتدابية . أي أنها تبحث في تبلور بنى جديدة لم تتضح معالمها بعد ، وحملت في طياتها إمكانات في التغيير وخيارات مستقبلية لم يخطط لها . أمّا إنجازات الانتداب المكثفة التي انطبعت في وجدان جيل النكبة فهي كثيرة - وإن لم يكن ثمة إجماع عليها بين المؤرخين . فهي تشمل : استحداث مؤسسات الدولة الحديثة ، بما فيها أجهزة الدولة المركزية في القدس ؛ تحديث قانون الأراضي والنظام الضرائبي ؛ تطوير الجهاز القانوني والقضائي بدلا من القوانين العثمانية السابقة ؛ تطبيق بعض السمات الأساسية لقوانين المواطنة وأيقونات السيادة العصرية ( سك العملة الفلسطينية ، إصدار الطوابع البريدية وجواز السفر الفلسطيني ) ؛ تحديث الجهاز التعليمي بهدف توفير طاقم إداري لجهاز الدولة الكولونيالي ؛ توطيد البناء التحتي للمواصلات والاتصال وتوسيعه ، بما فيه توسيع شبكة الطرق المعبدة ، وسكة الحديد ، وإنشاء دار الإذاعة الفلسطينية سنة 1931 في القدس . كل هذا حدث في عقود ثلاثة قصيرة . إن غياب الإجماع بين المؤرخين على أهمية هذه الإنجازات الانتدابية يعود إلى كون القسم الأكبر منها جزءا من عملية الحداثة العثمانية التي بنى عليها النظام الانتدابي وليس نسقا منقطعا عنها . إلّا إن التأثير الحاسم لهذه التطورات في فلسطين كان فصم فلسطين عن بلاد الشام من ناحية إدارية ، الأمر الذي نجم عنه في النهاية تبعات اجتماعية وثقافية مهمة . وقد ساهم واصف جوهرية في مراقبة هذا التواصل وهذا الانقطاع من خلال مذكراته الراصدة للحدث . ونجد أهمية خاصة لهذا الرصد في نقل روح الانعتاق الفكري والاجتماعي الذي ساد في مدينة القدس وفلسطين عامة في السنوات الثلاث الأولى للحكم العسكري ( 1917 - 1920 ) . نجد فيها أن واصف قد بلغ مرحلة النضوج في فنه وفي شخصيته الساخرة الناقدة . ومما ساعده في ذلك أنه تبوأ مركزا حساسا في سلك الموظفين الانتدابي ( في دائرة الأراضي ) ، وكان مراقبا حميما لسلوكيات النخبة العربية المهيمنة بحكم علاقاته الشخصية بآل الحسيني وآل النشاشيبي ، من دون أن يهمل علاقاته الحميمة بهموم الناس العاديين الذين نشأ بينهم . وفيها نستشف موقفا مغايرا للتصور الذي يرى أن الحقبة العثمانية الأخيرة تشكل نقيضا للفترة الانتدابية ؛ فالأولى ترمز إلى الاستبداد الشرقي ، والثانية ترمز إلى الحداثة . هنا ، بالعكس ، نجد رفضا للافتراض الذي يرى في مؤسسات الاستعمار التحديثية بديلا من النظام العثماني البائد ، والذي يبرز الطابع الاستمراري لإصلاحات كان العثمانيون أدخلوها إلى فلسطين وبلاد الشام في نهاية القرن التاسع عشر من مدارس عثمانية ، وإصلاح دستوري ، وتخطيط مدني . وفي بعض القطاعات نرى أن النظام الانتدابي شكل تراجعا عن الأوضاع التي سادت في الفترة العثمانية . نجد هذا التقهقر مثلا في حالة تعزيز النظم الطائفية في أحياء البلدة القديمة من القدس ، وفي تبني الإنكليز مبدأ الانتماء ستورز والشريف حسين