تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
هات يا صرف وسهر وشرب و . . و . . . الخ ، حتى أفقنا من نومنا فوجدت أن الدراهم على وشك الخلاص ، ويا للأسف ! وقد انتهت تقريبا أيام الإجازة ولم يبق منها سوى يومين ! ! اللّه يا خليل ما هذا ؟ . . علينا ترك دمشق بالحال ، فغضب خليل وبدأ يعربد علي ويلومني ، وهكذا نظمنا أحوالنا وقفلنا الشنطات وحملنا الصناديق المملوءة من خشب دمشق والأواني والبراويز وطاولة لعب وغيره وركبنا القطار ، وعن طريق المزيريب ودرعا وكان يوما شديد الحرارة ذقنا فيه ألوان الشقاء وقد سال السمن من مجامع حلوى بيروت من شدة الحر ، ولم يكن معنا شيء نسد فيه جوعنا لعدم شرائنا الطعام عندما تركنا دمشق ، ونحن في حالة نرفزة ، وخصوصا من غضب خليل ، إلى أن وصلنا قبل الغروب بقليل إلى حيفا وهنا بيت القصيد : نزلنا في محطة السكة الحديدية في حيفا على جانب عظيم من التعب والقلق ، وزاد انفعالنا عندما طلب منا دفع الرسوم الجمركية عن بعض التحف التي اشتريتها . . . وهكذا بعد جدال دفعنا مبلغ خمسة وتسعين ليرة سورية ، ولم يبق معي إلا ( قرشين ونصف مصري ) بعدما تركنا محطة السكة الحديدية في حيفا ونزلنا في الفندق المعهود بحالة يأس فظيعة . هنا بدأ الجدال والعقاب بصورة فظيعة ما بيني وبين الأخ خليل الذي أقولها صراحة أنه بهدلني . . . لأنني لم أستمع لإرشاداته الأولية من حيث المصروف ، وكنت أنا أطيب خاطره وقلت له : " ولو . . ما عليك يا خليل ، نحن الآن وصلنا إلى بلادنا ، ولنا الأصدقاء والمعارف الكثيرة من أبناء القدس في حيفا ، ونستطيع بسهولة أن نستلف ما أمكن من النقود ونرجع القدس غدا واللّه معنا " . وكان هو يهز رأسه ويتمتم . . . ويقول " نعم لك أصدقاء كثيرون . . وأنت لا تعرف الناس بعد " ، إلى ما هنا لك من أخذ ورد في الموضوع ذاته فشجعته وقلت له " العمى . . صبحي عويضة وهو من أعز أصدقائي بوظيفة مدير طابو حيفا . . فأنا أطلب منه أي مبلغ أريده " . وهكذا بعدما اغتسلنا من رحلة القطار الملعونة . . . اعتذرنا من سيدات الفندق عن تناول العشاء لأننا مدعوون عند صديق لنا . . . والحقيقة تخوفا من دفع الثمن . . . ونزلنا من الفندق . اتفقنا أن نسهر في ( مقهى ومنتزه البنط ) ونشرب العرق ونغير أفكارنا وفي الوقت ذاته عسى أن نجد صديقنا صبحي ونؤمن مصيرنا لنصل القدس . ولكن موقع البنط بعيد ، والواجب الذهاب إليه في عربة . . . فمن أين ندفع إلى السائق والقيمة التي معي كما قلت أعلاه قرشين ونصف مصري لا غير . . ذهبنا مشيا على الأقدام وكل واحد منا لا يفه ولا بكلمه . عرجنا في الطريق على حانة بلدي وشربنا كاسين من العرق الرديء ونحن واقفون كما يقولون على الدسكة . . والمازة حبات من الترمس . . . ودفعنا الثمن قرشين مصري وعدنا نسير على الأقدام إلى أن وصلنا ذلك المقهى الفخم البنط . . . وبقي نصف القرش وحده ناعم البال في الجيب . دخلنا المقهى وكان مضاء بأنوار اللوكسات وفيه نخبة من أهالي القدس والمعارف الذين كل واحد منهم هب مسلما علينا . . . ولكننا انزوينا وحدنا في إحدى زوايا هذا المنتزه وطلبنا العرق والمازة وبعض النواشف المغذية لسد رمق الجوع .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 358 | واصف جوهرية