ثم تركنا بيروت وكنا ننتقل من ضيعة إلى أخرى في الفنادق من عاليه وبحمدون وصوفر ، وكنت وكأني أشبه ببدوي في نيويورك . كنت أرتاح جدا لمناظر الطبيعة في كل مكان ، وأعجب بدهشة من استقبال أصحاب المقاهي والمنتزهات ، والطريقة اللطيفة الذين يقدمون لزبائنهم ما يطلبون من الطعام ، وعلى الأخص المشروب ومازة العرق ، فعندما تطلب ، مثلا ، مدقة عرق يأتيك بخمسة وعشرين صنفا من مختلف المازة لتلك المدقة بصورة تفتح النفس وتجلي الصدر ، وكانت الأسعار لهذه الأصناف رخيصة جدا إنما كثرة الصرف للكماليات . . . ليس إلا . كنت وأخي خليل في كثير من الأوقات ننسجم مع من يكون جالسا من العائلات ، فترتفع الكلفة وتندمج طاولات المشروب معا ، وتتوسع الحلقة ، وترى وكثيرا من السيدات بل الآنسات يستعلمن الأركيلة ، وأقول إن معهم كل الحق بالنسبة لمجالس السمر النادرة هذه ، وكنت أقارن في قرارة نفسي وأقول حقيقة إن نساءنا مسكينات نسبة لهذه البلاد ، والفرق بينهن واضح كالفرق بين الأحياء والأموات . . . وكنت وأخي خليل - آنذاك - في حالة مريعة من شرب الخمر ، فكنت وإياه نشرب مدة أربع ساعات متواصلة العرق بدون راحة ، ولا يظهر علينا أدنى ظواهر السكر . . . ربما كان ذلك من طيبة صنع العرق .
بقينا على هذا الحال مدة ما تقرب من أسبوعين ، وأخيرا سافرنا في السيارة إلى زحلة ، ونزلنا في فندق قدري على الوادي ، وكان من أشهر الفنادق ، وكنا نقضي أوقاتنا على منتزهات ومقهى نهر البردوني ، وكانت تصب مياهه في الأقنية الطبيعية بصورة تدهش الناظر ، وكانت المقاهي على ضفتي هذا النهر الجميل . قضينا ثلاثة أيام في زحلة ، ثم تركناها وقصدنا دمشق ، فنزلنا في فندق فيكتوريا ، وذهلت طربا عندما دخلت دمشق هذا البلد العربي الذي كان محافظا على عروبته حتى في بنائه وأسواقه وحياة أهله ، وهناك في سوق الحميدية الذي أقول صراحة بأنني عشقته من كل قلبي ، فهذا من يدق البوزا " الدندرما " العربية الممزوجة بالمستكة دقا ، ومن حوله الأواني الشرقية المؤلفة من أطباق وزبادي الصيني الأصلي ، والزخارف الخشبية صنع دمشق ، وعلى الأخص صنع الصدف على المقاعد والكومودات وإطارات الصور والمرآة ، وهذا جل ما أبغي وأحب .
اشتريت من هذه السوق البراويز الجميلة الصنع ، وعنيت في قرارة نفسي واحدا لرسم الوالد المرحوم ، والثاني لما أدعوه بوالدي الثاني حسين أفندي الحسيني ، وكان ذلك كما ابتغيت ، وأصبحت هذه البراويز معلقة في صدر قاعة المجموعة الجوهرية - والحمد للّه - كما سيجيء التحدث عنها في حينه من هذا الكتاب .
كنا نسهر ليلا في الأزبكية ، وكانت لحسن الحظ ذائعة الصيت منيرة المهدية من مصر تطربنا بصوتها وغنائها المصري القديم والخالي من الزركشة الغربية . . . تحت ظل الأشجار إلى ما بعد منتصف الليل . وإني أذكر أنني كنت أطرب في الفجر وأفيق من نومي وأنا في الفندق على صوت المآذن ، وما أكثرها في دمشق ! كان أخي خليل في كثير من الأوقات ينصحني بالمحافظة على النقود ، ويقول باللّه عليك يا واصف لا تقطعنا في الغربة . . . فنحن لا نعرف أحدا في هذه البلاد ، فأجيبه على الفور ولولا تخف بيسترها اللّه . .
خليل جوهرية
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 357
مساهمون: واصف جوهرية
ص٣٥٧