آكل هالألوان * لازمله حمام
أخذت هذه الأغنية مني دورا مهما زمن الحرب الأولى ، كنت أغني هذه الأغنية على عودي ، وتكون هذه الألوان والأشكال ( على الرغم من الحالة المؤثرة من الفقر آنذاك . . . ) على الموائد أمامي ، لأن جلساتي السارة كانت عند القواد « 1 » والمتصرفين وأعيان البلاد . . . وأذكر وأنا أغني الأبيات كثيرا من أصدقائي ، بل أقربائي المحرومين لا من أكل شيء من هذه الأشكال فحسب ، بل النظر إليها .
وقد بقيت أغني هذه الأغنية بعد الاحتلال ، فأصبحت معروفة بين الأهالي ، وخصوصا في مدينة القدس كذكرى لسنوات الحرب العالمية الأولى التي زالت بلا رجعة .
ليالي محلة مأمن اللّه بالقدس
كان أخي وصديقي محي الدين زمرد المعروف عند أولاد البلد ب ( والدي . . . ) ، كان له إسطبل لخيل العربات وبجانبه حانوت للبقالة لأخيه ، وذلك حذاء عمارة فندق بلاس ملك الأوقاف المسلمين في حي مأمن اللّه بالقدس ، ومجاور إلى دار المرحوم بشارة أفندي حبيب . كانت الأهالي ، كما قلت مرارا في كتابي هذا ، في حالة مرحة وسرور وطرب متواصل ، إثر زوال احتلال البلاد من بريطانيا ، وتخلصوا من الكابوس الذي فوق صدورهم قرونا طوالا ، فذاقوا ألوان العذاب والظلم والفقر والهوان ، وخصوصا أثناء مدة الحرب العظمى الأولى " السفر برلك " ، وهكذا وقد تنفسوا الصعداء بعد الاحتلال البريطاني ودخلوا فجأة في دور غريب كله سهر وسمر وطرب ، وإليك صورة أيها القارئ عن هذا الدور لأخذ فكرة ، وهي ما بين سنة 1918 لغاية سنة 1922 :
كان يجي العم والدي . . . إلى السرايا حاكم القدس العسكري عند الساعة العاشرة صباحا ، ويغمزني في عينه بأن الإسطبل فيه زبائن . . . طالبين الرزق لينقذوا أرواحهم على عزف عود وغناء واصف . . . وهم في الانتظار في الحال .
كنت أنسحب بانتظام من الدائرة . . . وأصحب العم والدي إلى الإسطبل ، وإذ أجده وفيه نخبة من عائلات ذلك الحي أمثال عائلة كروز ، وفران ، وليديا وأخيها ، وصليبا ، وخوري ، وغيرهم ، شيء مضحك للغاية . . ؟ ! ! سيدات وآنسات يجلسن ومن حولهن زبل الخيل يقفن وهن في حالة حظ ، « 2 » وعلى جانب عظيم من الطرب يستقبلنني بهتاف وتصفيق . . .
هيو هيو أجا . . نبدأ الجلسة هذه ونغني ما طاب لنا وأنتقي الأغاني الخفيفة التي يمكن لهذه الفئة من ترديد ترديدة الأغنية ، ليعم الطرب بالإجماع وتدور كاسات الويسكي والنبيذ المعتق ، ونبقى على هذا الحال ، وكثيرا ما كان العم والدي . . . ينهر الخيل بصوته الأجش ، تلك الخيول التي كانت تشترك معنا بالطرب . . . قلت نبقى على هذا الحال ، وكان العم أبا فرنسيس ( يوسف صليبا ) يشرف على الكؤوس الفارغة . . . إلى الساعة العاشرة مساء من ذلك اليوم العصيب .
أما بعد ، تدور نشوة الطرب ( كانت هناك عربة لنوم الأولاد الصغار المصنوعة من القش ومقامة على أربعة عجلات ) يضعوني وعودي في هذه العربة ونخرج من الإسطبل ووالدي . . . كان يجرني بالعربة والحضور تمشي من حولي وتردد ترديدة أغنية يا عزيز عيني وأنا عايز أروح بلدي . . . الخ ، بأعلى أصواتنا في الشارع الرئيسي إلى أن نصل بيت أخي وصديقي
هامش
( 1 ) القواد : القادة .
( 2 ) حظ : سكر .