تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
يوسف حنا مرقص ، الواقع مقابل عمارة الكردنال فراري شارع الملك جورج ، وهناك نعيد الكرة وجار الرضا أبو فرنسيس صليبا يقوم أيضا براحة الزبائن ، ونسهر إلى ما بعد منتصف الليل . . . فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها ! ! تصور أيها القارئ هذه الليالي . . . وتصور هذه العائلات وجلسة السمر على زبل الخيل داخل الإسطبل ، وكل فرد من الحاضرين كان وكأنه في الجنة ليس لشيء إلا لأنه كان هادي البال ناعم الحال ، يبتكر تلك الجلسات المثالية ابتكارا لتعطشه للطرب . . . وإني أتساءل الآن في قرارة نفسي ، كيف انقلب الزمن على الأهلين ، وأصبح الجميع بين عشية وضحاها في حالة يأس وغم وعدم استقرار ، الأمر الذي يجعلني - والحالة هذه - أن أرفض الغناء ولو جلست على ريش النعام ، وفضلت زبل الخيل عن هذه المظاهر . . . إبه واللّه .

رحلة سوريا ولبنان مع الأخ خليل

كنت ذكرت أن أخي خليل قد قضى زمن الحرب في الجندية جندرمة في بيروت ، ولما كنت لم أترك فلسطين وشرق الأردن منذ مولدي كان الأخ خليل بعد رجوعه من بيروت يقص علينا القصص والحوادث الكثيرة التي شاهدها في لبنان وسوريا ، ويحدثنا عن جمال هذه البلاد وجبالها ومياهها ، وكنت أستمع إلى حديثه بلهف زائد ، وأقول عسى أن أزورها يوما ما بإذن اللّه . وفي صيف سنة 1922 ، عندما أصبحت في بحبوحة عيش - والحمد للّه - وأصبحت قادرا على تنفيذ هذه الخطة ، وكان الأخ خليل في حالة سيئة اقتصاديا ، عزمت على رحلة لتلك البلاد بصحبة الأخ خليل على نفقتي الخاصة . وهكذا حصلت على إجازة مدة ثلاثين يوما من دائرة حاكم القدس ، وكان في جيبي ( مائة وخمسة وستين ليرة مصرية ) ، فسافرت وخليل بالسيارة إلى حيفا فوصلنا في العصيرة ونزلنا في فندق بجوار محطة السكة الحديدية كانت تديره سيدتان اللتان احتفلتا بقدومنا وتناولنا طعام العشاء معهما بدون كلفه . وعند الصباح تركنا هذا الفندق ، وتجولنا في حيفا ، وأنا - كما قلت - الرحلة الأولى من حياتي . . . فاشتريت بعض الشيء من مخازن حيفا كتحف نادرة لزينة بيتي في المستقبل ( وكنت على وشك الزواج آنذاك سرا . . ) وقد وقع نظري على زوج مزهريات صنع إيطاليا تقليد البرونز ، وكان ثمنها تسع ليرات مصرية ، فأحببتها ووعدني صاحب المخزن بإبقائها على اسمي عند رجوعي من لبنان . حاسبت الفندق ثم سافرنا إلى بيروت عن طريق الناقورة وكانت - والحق يقال - رحلة ممتعة ، فالسيارة تسير على شاطئ البحر ، فوصلنا بيروت في الظهيرة ونزلنا في فندق جديد يطل على ساحة البرج . سررت جدا في بيروت ، وكانت ساحة البرج - آنذاك - في حالة طبيعية تضم مقهى كبيرا وفي وسطه نافورة تتدفق منها المياه عاليا ، وتصب في حوض كبير متسع ومن حوله ما تشتهيه نفسك من الطعام والشراب والخمر والأركيلة . . . كل قسم يختص بذاته وفي غاية من الخدمة والإتقان . صرفنا مدة تزيد على خمسة أيام كنا نتجول فيها في المدينة وضواحيها ومنتزهاتها ، وقد اشتريت بعض التحف الفضية من المخزن المعروف بالكف الأحمر سوق الطويلة ، أحتفظ بهذا الطقم وهو للطتلي ، وفيه الكرستال ليومنا هذا ، وكان الأخ خليل يطلعني على أجمل المحلات وكأنه مترجم للسياح .