المعروف عندنا ستمائة ألف ريال كبير ، وطال بنا المقام وتوجهنا من هنالك ، وأخبرنا من تخلف من ورائنا أنه خرج من المال بعدنا مثل ما حضرنا عليه وزيادة ، فيصير جملة الراتب عن كل ثلاثة أشهر ما يزيد على المليون ، وينوب في السنة ما يقرب من خمسة ملأين « 125 » ، والمليون عشرة مائة ألف ريال ، وهذا والله أمر عظيم ، فالحمد لله الذي أرانا ما يسر المسلمين وينكي الكافرين في دولة من دول الإسلام صانها الله تعالى ، وألبسها من جلالته جلالا ، وقهر بها جموع الكفرة وأذاقهم بسيوفهم قهرا ووبالا ونكالا ، فالله تعالى يصونها من الخلل ، ويباعد عنها أهل الرجس والنجس ، والعذر والختل في القول والعمل ، ويحفظ قدم سطوتها من كل زلل ، بفضله وطوله .
وعندهم من القواعد المقررة والقوانين المسطرة ، أن يصنع السلطان طعاما يحضره يوم تفريق الراتب على العسكر ، ويحضره قبالة المكان الذي يفرق فيه المال ، والسلطان حينئذ من الرجا والخوف ، لا يستقر فؤاده - 53 - في جوف ، لأن من عادتهم إذا حضر الراتب ليفرق على العسكر وذي المناصب والمراتب ، وأحضر الطعام كما سبق به الإلمام ، فإن بادر العسكر لأكل ما تهيأ ، ولم يظهروا انحرافا ولا ليا ، فما أبرك ما أعطى وما هيأ ، وإن امتنع العسكر من الأكل جهارا ، أيقن السلطان بالعزل نهارا وضاقت عليه الدنيا سوارا ، وبلغت الروح التراقي وأعجز ذلك الداء « 126 » الراقي ، ولم يغن عنه حميم ولا نديم ، كدابغة وقد حلم الأديم ، وينصبون من اتفقوا عليه قبل ذلك للخلافة ، والعزل بعد الولاية من أعظم آفة ، ويجعلون المعزول في موضع المولى في دار يسمونها القفص ، يتجرع بالعزل كل غصص . فعند الخليفة يوم تفريق الراتب على العسكر كأنه يوم نكير ومنكر .
ويدل على ضخامة هذه الدولة دار ضرب سكتها ، فقد دخلناها يوم تفريق الراتب المذكور لأنها بقرب دار السلطان فرأينا ما يسر ، فمن آلات الطبع المسماة بالدولاب عشرون .
هامش
( 125 ) يقصد ملايين .
( 126 ) سقطت من ( أ ) ووردت في ( ب ) .