المشوب بالطيب المشتبه بقلنسوة الخطيب ، فخطابك البليغ أفضل من ذلك كله وأجمل ، ومنزعك اللطيف أوصل للنفوس وبها أحل ، لأن ذوق معاني الكلام ألذ من ذوق ما في الأواني من الطعام وأجل وأكمل ، ومما هزني من ذلك للكلام ، ولزني في المداعية معك كما لز الألف مع اللام ، ما أودعته في رسالة الاستدعاء من قولك والساق مشمر عن ساق ، فإنه ذكرني قول بعض المقاول :
لم أنس يوما قام يكشف عامدا * عن ساقه كاللؤلؤ البراق
- 324 - لا تعجب إن قامت لذاك قيامتي * إن القيامة يوم كشف الساق
وإني لما حضرت ذلك المجلس الأبهر ، وأظهر فيه الساقي من شمائله ما أظهر ، إنما تاه فكري في لطف مناولته ، ووصف مطالعته لرضاك ومحاولته ، فغبت بذلك عن ملاحظة الساق المشمر عنه ، بل وعن الساعد الذي كان أقرب إلي منه ، نعم أتهم لك نفسي بنظرة أولى لمحياه ، وكأن القلب بها حياه ، لكن قلت في الحين على الشذوذ إياي وإياه ، فلعل السيد لنفسه هيأه ، والنظرة الأولى كما علمت معفو عنها ، وإذا سمح قدرك العالي بالمداعية فهذا منها والسلام .
فراجعته بقولي : أبقاك الله لطرفة تجليها ، وبنات أفكار بدر نثارك تحليها ، ونادرة تردفها بأخرى تليها ، تلك رياض تفتحت عن أزاهرها أكمام ، ولات حين للأزاهر إلمام ، هذه يقظة أو منام ، عهدي بالرياض لم ينتج الآن شمام ، أو ذاك مسك فض عنه ختام ، تحيرت في ذلك أظنه سحرا أجل نفث به حبر وإن شئت بحر فخذ عن إمام ، إمام تجملت بطلعته الأيام ، وتجمعت له شوارد العلوم فتسنى له بعد تفرقها التئام والتمام ، أما الأدب فهو بعض بعض فنونه ، ورشوحه من معين أنهار عيونه ، أما تراه قدوة للأنام حل من درى المعقول والمنقول حيث لا محل للمحلى ، وأربى فيما أبدع من البدائع على بدائع الحلي ، أليس معدودا في إحراز السبق في مرتبة لو كانت قبل المجلى ، وأما ذكاؤه فشهاب يتوقد ، والمعية في كل آونة تتجدد ، فقد غذا إياس عن إدراك شأوه ذا إياس ، عذبت مفاكهته وعدمت مشاكهته ، - 325 - رمى بسهمه في أغراض المداعبة فقرطس ، واستخرج من لجج بحارها من