رؤساء الحكماء ، وأطبق معهم نجباء العلماء ، أنه لابد لها من رياضة ، إذ التدريج حكمة هذا العالم وإن كانت القدوة فياضة ، وصاحب القصر يهوى قبابه وتارة رياضه ، ويستحسن من أزاهرها المختلفة ما خالطت حمرته بياضه ، ولذا قيل :
لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة * إلا التنقل من حال إلى حال
كما قيل أيضا :
تنقل فلذات الهوى في التنقل * ورد كل صاف لا تقف حول منهل
وفي المعنى :
أفد طبعك المكدود بالجد ساعة * بلهو وعلله بشيء من المزح
البيتين . وقد علمت أعزك الله أن اللذة انبساط باختلاس ، وأكمل اللذات استنباط حكم همم الجلاس ، لأن همة المرء ميزان عقله وبرهان - 327 - فضله ، وأكثر ما تظهر في قوله ، المرء مخبؤ تحت لسانه ، وقد كان من تقدم من الكبراء والأمراء والوزراء يستعملون جل أوقاتهم في هذا المعنى ، يولعون به ويعنون أجل بذلك يولع وبه يعنى .
وأذكر الآن من ذلك ما حكاه الثعالبي في يتيمته ، وقد ذكر القاضي التنوخي فقال : وكان كما قرأت في فصل للصاحب ، إن أردت فإني سبحة ناسك ، أو أحببت فإني تفاحة فاتك ، أو اقترحت فإني مزرعة راهب ، أو آثرت فإني نخبة شارب ، إلى أن قال : وكان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ، ويجتمعون إليه في الأسبوع ليلتين على أطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة ، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها مثل المهلبي ، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع ، وأخذ الطرب منهم مأخذه ، وهبوا ثوب الوقار للعقار ، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش ، إلى أن قال : وعليهم المصبغات ومخانق البرم وفيهم يقول السري :
مجالس ترقص القضاة بها * إذا انتشوا في مخانق البرم .
وإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في الترهيب والتوقر والتحفظ ، وأبهة القضاء وحشمة المشايخ الكبراء .