ما شئت من أبواب نحاسية وبرك فياضة ، تقذف فيها صافي الماء أعناق أسدية ، وفيها خزائن الكتب والجراية الذارة على العلماء والمتعلمين . وتفضل هذه المدينة كثيرا من لذاتها بصحة الهوى ، وتبحر أصناف الفواكه وتعمير الخزين ، ومداومة البر لجوار ترابها سليما من الفساد معافا من العفن ، - 318 - إذ تقام ساحات منازلها غالبا على أطباق الآلاف من الأقوات ، تتناقلها المواريث ويصحبها التعمير وتتجافى عنه الأرض ، ومحاسن هذه البلدة المباركة جمة ، قال ابن عبدوس من أهلها ولله ذره :
إن تفتخر فاس بما في طيها * وبأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها * والأطيبان هواؤها والماء
ويسامتها شرقا جبل زرهون المنبجس العيون ، الظاهر البركة المتزاحم العمران الكثير الزياتين والأشجار ، قد جلله سكرا ورزقا حسنا ، فهو عنصر الخير ومادة المجبى ، وفي المدينة دور نبيهة وبنى أصيلة ، والله سبحانه ولي من اشتملت عليه بقدرته ، وفيها أقول :
بالحسن من مكناسة الزيتون * قد صح عذر الناظر المفتون
فضل الهوى وصحة الماء الذي * يجري بها وسلامة المخزون
سحت عليها كل عين ثرة * للمزن هامية الغمام هتون
فاحمر خد الورد بين أباطح * وافتر ثغر الزهر فوق غصون
ولقد كفاها شاهدا مهما ادعت * قصب السباق القرب من زرهون
جبل تضاحكت البروق بجوه * فبكت عذاب عيونه بعيون
وكأنما هو بربري نافذ * في لوحه والتين والزيتون
حييت من بلد خصيب أرضه * مثوى أمان أو مناخ أمون
وضفت عليك من الإله عناية * تكسوك ثوبي آمنة وسكون
- 319 - انتهى .
وقد وصفها في مقامة البلدان على منوال السجع فقال : مكناسة مدينة أصيلة ، وشعب للمحاسن وفصيلة ، فضلها الله تعالى ورعاها ، وأخرج منها ماءها ومراعيها ، فجانبها مريع وخيرها سريع ، ووضعها له في قنة الفضائل