تفريع ، اعتدل فيها الزمان وانسدل الأمان ، وفاقت الفواكه ولا سيما الرمان ، وحفظ أقواتها الإختزان ولطفت فيها الأواني والكيزان ، ودنا من الحضرة جوارها ، فكثر قصادها من الوزراء وزوارها ، وبها المدارس والفقها ولقصبتها الأبهة ، والمقاصر والأبها ( كذا ) ، انتهى .
ويعني بالحضرة مدينة فاس المحروسة لأنها إذ ذاك كرسي الخلافة ، ومكناسة مقر الوزارة ، وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسي الخلافة بالحضرة .
قلت دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة ، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمن لسان الدين بن الخطيب جديدة ، واستولى عليها الخراب وتكدر منها بالفتن الشراب ، وعاث في ظاهرها الأعراب وفي باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثير من الأراب ، حتى صار أهلها حزبين ولبس كثير من أهلها ثياب البعد عنها والبين ، والله يجبر حالها ويعقب بالخصب أمحالها ، ويرحم الله ابن جابر إذ قال :
لا تنكرن الحسن من مكناسة * فالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن محت أيدي الزمان رسومها * فلربما أبقت هناك حروفا
قلت وهي الآن على ما ذكر من الأوصاف مع تهدم الأطراف ، ووقوع بعض الخراب وسكنى الأعراب ، والله تعالى يجبر حالها ويحفظ أسرها ، ويعافيها - 320 - من اختلالها ويشفيها من اعتلالها . فبتنا يوم سافرنا من حضرة فاس بوادي الجديدة مع أشواق جديدة ، عند بعض العشائر من البربر آيت يمور فأكرمونا ، وبتنا عندهم في ضيافة وحراسة من آفة ، إلى أن صلينا المكتوبة وقربت إلينا المركوبة ، وسرنا والأحباب والأهل والأصحاب والجيران يتلاقونا أفواجا أفواجا ، إلى أن دخلنا دار مثوانا ، فحفت بنا الأهل ولدانا وإخوانا ، وحشم وخدم ومن تركناه في العدم ، وحفوا بنا مستبشرين فرحين مسرين منشرحين ، ألبسهم الله تعالى السرور زيا ، وعوضهم عن ظمأ الفراق من التلاقي ريا ، فأنشدتهم بعد أن نبهتهم لحمد الله على جمع شملنا وأرشدتهم ،