في خان جديد أنشأه على ساحل المرسى ، وبعد يوم من نزولنا استدعانا لأنه كان مريضا ، فتوجهنا إليه فأبدى بشاشة وفرحا وقعدنا معه ساعة نتحدث ثم خرجنا من عنده .
ولهذا الوزير أثر كبير بهذه المدينة وهو الذي شهرها وبه اشتهرت ، وأنشأ بها مسجدا من أحسن المساجد وألطفها على شكل مساجد القسطنطينة ، وغرس في صحنه المستدير شجرا مصفوفا من نخيل وسرو ، وأنشأ بها أيضا حماما ما رأيت مثله لا في القسطنطينة ولا في الشام ؛ وأهل البلد يثنون عليه كثيرا ، فله جرايات على الضعفاء والفقراء ورواتب لأهل الحياء - 259 - والحشمة الذين لا يسألون الناس إلحافا ، إلا أنه به شموس من الدولة أبي القياد ( كذا ) ، يفعل في بلاده برأيه ويقبل من أوامرها ما يوافق غرضه . وقد استدعته الدولة ونحن هنالك للقدوم عليهم ، قائلين له إنهم أرادوا بعثة لناحية العدو برسم الجهاد فأبى عليهم ، لكنه معذور فلا يأمن على نفسه .
وبظاهر المدينة ضريح نبي الله صالح عليه السلام ، وهو عن يسار الخارج من المدينة لناحية المشرق في وسط المقبرة ، فتوجهنا إليه وفتحوا لنا القبة التي فيها قبره المبارك ، وقرأنا عنده ما تيسر من القرآن ودعونا الله بما يرجى قبوله .
ولما دخلت إلى حمامها البديع ذي الصنع الرفيع ، وجدت القيم عليه أبدع وأحسن وأنصع ، والطيور على أجناسها تقع ، ولما خرجت منه وقعدت في إحدى مصاطبه للاستراحة ، أتى إلي معرضا بالقهوة علي ، فقلت عند رؤية شماله « 426 » وقويم قدهش وتمايله :
لم أنس عكة إذ جعلتها مأربي * يوم دخلت إلى حمامها المعجب
هامش
- حادثا طريفا جمعه بأحمد باشا وعنه يقول : " وكان هذا الجزار رجلا أحمق يبحث عن أهل الحكمة وعلم الحدثان ، وكان يزعم أنه المهدي المنتظر ويصرح بذلك " ، وقد دارت بين الرجلين مناقشات صرح فيها أحمد الجزار أنه سيملك " المشرق والمغرب ويصل بلادك ( المغرب ) ويملكها " . ( الترجمانة 258 - 259 ) .
( 426 ) الصحيح " شمائله " كما في ( ب ) .