يوسف عليه السلام محيط به سور ، وله باب يصعد اليه بمدارج ثلاثة ، وقبالة البير داخل مسوره مسجد صغير له بلاط واحد ، فدخلنا إلى مسور البير وأشرفنا عليه وفيه ماء كثير عذب ، ودعونا الله تعالى هنالك ، وقعدت بباب المسجد مقابلا للبير وقرأت سورة يوسف ، متفكرا قضيته وقضية أبيه عليهما السلام ، وأنشأت هنالك أبياتا وهي :
يا أمين الجباب يا جب يوسف لقد حزت في البسيطة فخرا * صنت يوسف إذ رموه وألقوا
فوقه من حجارة الأرض صخرا * فحنوت عليه حنو رحيم
أو مريد من شيخه حاز سرا * ثم صادفك الفراق الذي يعقوب صادف قبل صبرا فصبرا
فبكاه يعقوب دهرا وأنت * لا تزال تبكي ودمعك أجرا
- 258 - وأراه مكفكفا فأجاب الحال * لو كان مرسلا صار بحرا
دمت في ترف وماء زلال * تحسبه الوراد اريا وخمرا
ووفود تترى بعطفك طول * الدهر تحمد منك وردا وصدرا
ومن الغد سافرنا وأعدنا الزيارة والدعاء عند البير المذكور ، فسرنا في أرض من أصعب الأرضين وأكثرها حجارة وصلدا ، فوصلنا قرية يقال لها الرمة على خمس ساعات فبتنا ببعض بيوتها ، وبهذه القرية زيتون كثير وأهلها نصارى تحت ذمة المسلمين .
الوصول إلى عكا وحفاوة الباشا الجزار وذكر بعض إنجازاته
ومن الغد سافرنا منها إلى عكة فوصلناها على ست ساعات ، ولما قربنا من المدينة بعثنا أحد أصحابنا ليكتري لنا دارا ننزل بها ، فطاف البلاد كلها فلم يجد منزلا ، فسمع بذلك الوزير صاحب البلد وعملها ويقال له أحمد باشا الجزار « 425 » ، فعين لنا موضعا نزلناه مشرفا على البحر في أحسن حال ،
هامش
( 425 ) من أشهر ولاة العثمانيين بالشام ، ارتبط اسمه بمدينة عكا التي لا تذكر إلا مقرونة به إذ هو الذي أعاد بناءها . اشتهر الجزار باستقلاله عن الباب العالي الذي أعياه أمره . عرف بالقسوة والشدة وسفك الدماء ومنها لقبه الجزار ، كما قاوم الحملة الفرنسية على الشام . يورد الزياني