وخطب الخطيب خطبة يوم السابع إحدى خطب الحج ، ومن الغد وهو يوم التروية خرج الناس من مكة قاصدين عرفات ، ولم ينزلوا بمنى ولا باتوا بها فقد أميتت هذه السنة ، وصار الناس في هذا الزمان يخرجون من مكة اليوم الثامن ، ويروحون إلى عرفات وينزلون في موضع الوقوف ، فسرنا كذلك ووصلنا الخيام بعد العشاء ، وبين مكة وعرفات نحو أربع ساعات فبتنا بالخيام وقلنا بها ، وقد عمر هنالك سوق عظيم خرج الناس من مكة بجميع المأكولات والمشروبات والأمتعة من مكة وغيرها ، والأعناب والرمان من الطائف وجميع الفواكه ، وعند النزول توجه الناس إلى مسجد نمرة ، وقد خلفناه من وراثنا لكونه في طرف الحرم ونحن تجاوزناه إلى عرفات وهي في الحل ، فخطب الخطيب وهذه الخطبة الثانية من خطب الحج جمع الناس فيه بين الظهرين .
وهذا المسجد أفسدته الأعراب فتدخل إليه مواشيها وأعدوه مقيلا لها ، - 231 - فكله ملئان ببعر الغنم ، وهو كبير مسقفه ثلاث بلاطات وباقيه فضاء عار من السقف ؛ ورجع الناس إلى الخيام وبعد العصر بهنيئة ركب الناس ووقفوا ، فمن وجد فسحة قرب من الجبل ومن لم يجد فسحة وقف بمكانه ، وصعد الخطيب على ناقته إلى الجبل واستمر في خطبته إلى أن غربت الشمس ، ودفع الناس من عرفات وتقدم وزير الشام بمحمله وعسكره وطبوله ، وكذا باي مصر بمحمله وعسكره وطبولهم تنقر والمزامير والعسكر يخرج المدافع ، وكل واحد من الفريقين يجهد في أن يتقدم على الآخر ، فسبق أمير الشام فتقدم بمحمله وعساكره وتبعه أمير مصر كذلك والحجاج من ورائهم ، واستمروا كذلك بعد أن مررنا بين المأزمين العلمين ، وهما بناءان أحدهما عن يمين الطريق والآخر عن اليسار ، إلى أن وصلوا المزدلفة ، ونزلنا بها بغير خيام لأن الخيام تقدموا بها أمامنا ، فلما حططنا بالمزدلفة وقد وصلناها بعد العشاء صلينا بها العشاءين جمعا وقصرا للأخيرة ، والتقطنا جمار العقبة منها وبتنا بها ، ولما طلع الفجر صلينا الصبح لأول وقتها وسرنا بغلس إلى المشعر الحرام ، فرجعنا إليه لأننا خلفناه وراءنا فهو في آخر المزدلفة ، فوقفنا به للدعاء إلى الأسفار ثم رجعنا على أدراجنا إلى أن وصلنا الخيام
رحلة المكناسي — صفحة 265
مساهمون: محمد بن عبد الوهاب المكناسي
ص٢٦٥