كان حسن الخط كثير المطالعة للعلوم ملازما للجماعة في الصلاة ، عاكفا على القرآن وفعل الخير دينا لم يسمع منه فحش ولا في غضبه ، يحب النصح في الدين وفي بعهده ، لا يستغاب ولا يفحش في مجلسه عفيف عما في أيدي الناس . قال ابن الأثير : طالعت تواريخ الملوك قبله فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة منه ، قصر ليله ونهاره على عدل ينشره وجهاد يتجهز له ، ومظلمة يزيلها وعبادة يقوم بها ، وإحسان يوليه وانعام يسديه ، قال ابن الأثير : وهو الذي جدد للملوك سنة العدل والإنصاف وترك المحرمات بعد ما فسد الحال انتهى .
لم يترك في بلد مكسا ولا ضريبة ، وكان ملكه في الشام ومصر والجزيرة والموصل وأعمالها وغير ذلك ، والقوي والضعيف والقريب والغريب عنده في الحق سواء ، يتولى كشف الحال بينهما بنفسه ولا يتعدى حكم الشرع . حكى أنه دخل الخزانة فرأى مالا كثيرا قد تجدد فسأل عنه ، فقيل هو من فائض مال الأوقاف ، فأمر برده إلى الشهرزوري وهو كان القاضي حينئذ ليرده على الأوقاف ، فأعاده الشهرزوري إلى الخزانة فغضب نور الدين وقال : ردوه إلى القاضي وقولوا له أنت تقدر على حمل هذا ، وأما أنا فرقبتي دقيقة لا أطيق حمله والمخاطبة عليه بين يدي الله تعالى .
قال ابن الأثير : وكان يورث أولاد جنده الأقاطيع ليقوي عزمهم على القتال - 204 - ولا يقولوا نموت فتضيع أولادنا ، وكان يتولى أمور الجند ومصالحهم بنفسه ويتفقد عددهم وخيلهم ، ومع ذلك كان شديد الهيبة والوقار ، وكان يلزم الصغير والكبير منهم بوظائف الخدمة ، ولا يجلس عنده أمير من غير أمره له بالجلوس ، حتى أسد الدين شيركوه ومجد الدين بن الداية وغيرهما إلا نجم الدين أيوب « 359 » وإلا صلاح الدين
هامش
( 359 ) أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين ( ت . 568 ه - ) ، والد السلطان صلاح الدين ، كان في أول أمره متسلما قلعة تكريت هو وأخوه أسد الدين شيركوه ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام ، ولما وزر ابنه صلاح الدين للعاضد صاحب مصر توجه إليه والده نجم الدين سنة 565 ه وبقي عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية ، وخلال حملة لصلاح الدين على الكرك حدث أن سقط والده من