مات واحد بدل الله مكانه بآخر ، قال ابن دريد واحده بديل ، قلت ويؤيده أنه يقال لهم بدلاء أيضا ، فيكون نظير شريف وشرفاء وأشراف ، ثم قيل إنهم سموا أبدالا لأنهم قد يرتحلون إلى مكان ، ويقيمون في مكانهم الأول شبحا - 64 - أو شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه . وفي القاموس الأبدال قوم بهم يقيم الله عز وجل الأرض ، وهم سبعون أربعون بالشام وثلاثون في غيرها انتهى .
والظاهر أن المراد بالشام جيهته ( كذا ) وما يليه مما وراءه ، لا بخصوص دمشق الشام والله أعلم بالمرام ، ثم يحتمل أنهم سموا أبدالا لأنهم أبدلوا الأخلاق الدنية بالشمائل المرضية ، أو لأنهم ممن بدل الله سيئاتهم حسنات .
وقال القطب الحقاني الشيخ عبد القادر الجيلاني « 147 » إنما سموا أبدالا لأنهم فنوا عن إرادتهم ، فبدلت بإرادة الحق عز وجل ، فيريدون بإرادة الحق أبدال الوفاة ، فذنوب هؤلاء السادات أن يشركوا إرادة الحق بإرادتهم ، على وجه السهو والنسيان وغلبة الحال والدهشة ، فيدركهم الله تعالى برحمته باليقظة والتذكرة ، فيرجعون عن ذلك ويستغفرون الله تعالى . أقول ولعل العارف ابن الفارض « 148 » أشار إلى هذا المعنى في قوله :
ولو خطرت لي في سواك إرادة * على خاطري سهوا حكمت بردتي
فإن حسنة الأبرار سيئة المقربين ، وقد علم كل أناس مشربهم من ماء معين والله المعين .
هامش
( 147 ) عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني ، محيي الدين الجيلاني أو الكيلاني ( 471 - 561 ه - 1078 - 1166 م ) ، مؤسس الطريقة القادرية ومن كبار المتصوفة والزهاد ، ولد في جيلان وراء طبرستان وانتقل إلى بغداد شابا سنة 488 ه ، فاتصل بشيوخ العلم والتصوف وبرع في أساليب الوعظ وتفقه واشتهر ، تصدر للتدريس والإفتاء ببغداد سنة 528 ه وتوفي بها . له كتب منها " الفتح الرباني " و " فتوح الغيب " و " الفيوضات الربانية " . ( الزركلي 4 - 47 ؛ شذرات الذهب 4 - 198 ؛ ابن الأثير 11 - 121 ) .
( 148 ) عمر بن علي شرف الدين أبو القاسم المصري السعدي ابن الفارض ( 576 - 632 ه - 1181 - 1235 م ) ، شاعر متصوف شهير ، أصله من حماة وولد بالقاهرة ، درس الفقه الشافعي والسنة ثم انهمك في التصوف ، حيث قضى سنوات من الخلوة على تلال المقطم قرب القاهرة ، مما أكسبه تبجيلا من طرف العامة إلى أن توفي بالقاهرة حيث لا يزال قبره مزارا . اشتهر بديوانه الأصيل الذي يمتاز بشعره الموسيقي ذي المسحة الصوفية وبحكمه( E . , I . , 3 - 786 ).