والمدارس الوثنية . ولم يقتصر على ترك الموزيوم والسيرابيوم وشأنهما بل كان لهما من أشد المقاومين وقد سمح لهما بمداومة تعاليمهما توقيرا لذكر اللاغوسية وارضاء للأهالي الذين كانوا يتقاطرون اليهما الا انه كان يقابل تآليفهما الصادرة في غير محلها بالازدراء والاحتقار . وفي عهد يوليانوس القصير المدة جاء الإسكندرية كثيرون من محبي الآداب اليونانية فأقاموا فيها وأحيوا الفلسفة بعد اندراسها ونبغ في ذلك العهد سيريانوس وكان عازما على نقل المدرسة إلى اثينا الا انه حدث خلاف جديد سقطت به سقوطا تاما .
وسنة 391 عزم ثيوفيلس بطريرك الإسكندرية على هدم السيرابيوم وكان اشهر معايد الوثنيين فأهاج الفيلسوف اولمبياس عبدة المعبود سيرابيس فاجتمعوا في الهيكل وصمموا على الدفاع فكتب البطريرك إلى الإمبراطور يخبره بمقاومتهم فورد منه جواب بهدم الهيكل المذكور وكان الموزيوم باقيا إلى ذلك العهد الا ان من المؤرخين من ذكر انه هدم ومنهم من قال إن البطريرك اقتصر على طرد الفلاسفة منه اما الفيلسوفة ايباتيا فتمكنت بعد ذلك في زمن سكينة وسلام من تعليم الفلسفة اليونانية في الإسكندرية ولم يمكن انكالها على ما تصادفه فلسفتها المقترنة بجمالها من القبول عند الناس بل كانت تظن ان اعتدال تعليمها يسهل لها بلوغ مقصدها . الا ان الأهالي ثاروا عليها وقتلوها سنة 416 وربما قام بعدها بالإسكندرية بعض غراماطيقيين وشعراء وفلاسفة من اليونانيين على غير دين النصارى ولكنهم لم يتمكنوا من الإقامة فيها الا بمراعاة ذلك الدين كل المراعاة وأفل قمر المدرسة اليونانية بعد ان وصلت إلى ما وصلت اليه من العز والمجد وبعد ان استمر الموزيوم مدة سبعة قرون ووضع عدة علوم وزانها بتآليف جمة ولولا تلك التاليف لبقيت علوم اليونان القديمة ناقصة فكانت تآليفها سببا لتمدن العالم
واما المدرسة اليهودية فربما كان انشاؤها قريبا من العهد الذي أنشئت فيه المدرسة اليونانية لأنه يمكن ان ينسب انشاؤها إلى السبعين مترجما الذين دعاهم ثاني اللاغوسية من فلسطين إلى مصر لترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية ومما يوجب الأسف ان أسماء المترجمين المذكورين فقدت عن آخرها والسكوت عنهم دليل على أنهم لم يكونوا من أعضاء الموزيوم لأنهم يهود . ولذلك لم يذكر الا شيء قليل عن أول علماء هذه المدرسة وقد سماه المؤرخون ارستوبولوس الا ان العصر الذي نبغ فيه غير معروف تماما ومن المستصعب البحث عن تآليفه والحكم فيها غير أن القدماء قالوا إن محبته لديانة اليهود جعلته يؤمل بانحياز الفلاسفة إليها . فادخل في جلّ كتب الوثنيين اشعارا من نظمه تحتوي على مبادئ الشريعة الموسوية فصادف سعيه هذا قبولا لدى يهوديّ آخر من الإسكندرية
رحلة مصر والسودان — صفحة 453
مساهمون: محمد مهري كركوكي
ص٤٥٣