رجال ولد النجومي وحدهم بلغوا عشرين ألفا . فربما كانت قوة الدراويش كلها ستين ألفا وسبعين أو أكثر
اما غوردون فلم يقض في الخرطوم شهرين حتى نفدت النقود من خزينتها فاصطنع نقودا من الورق بفئات متفاوتة يتعامل بها الناس إلى اجل مسمى . على أن ذلك قلما خفف من ضيق أهل الخرطوم ونزلائها فإنهم ما انفكوا يشعرون بالضيقة يوما بعد يوم والحصار يزيدهم تضيقا جتى أصبحوا محاطين بالعدو من كل جهة وقلّ مالهم أو نفذ وجاعوا وغوردون يصبرهم ويعدهم بقرب وصول الحملة الانكليزية لانقاذهم ولكنها تأخرت كثيرا فملّ الناس الانتظار واشتد الجوع حتى اكلوا لحوم القطط والكلاب ومضغوا سعف النخل وجذور الذرة كل ذلك وهم واثقون بوعد غورودن ولكنهم أصبحوا يسيئون الظن به أخيرا
« سقوط الخرطوم فعلى ما يأتي »
وقد ذكرنا أن المهدي حاصر الخرطوم وشدد الحصار عليها لكي تسلم من الجوع فلم تمضي مدة حتى انبأه جواسيسه ان الحملة الانكليزية قادمة لانقاذ الخرطوم وغوردون فبعث إليها جندا لاقاها في أبي طليح تحت قيادة موسى ولد الحلو وأبي صافية فعادت خاسرة فأرسل جندا آخر إلى المتمة بقيادة نور عنجة فانكسر أيضا كما تقدم . فلما بلغه خبر انكسار رجاله أراد التمويه على اتباعه فامر باطلاق مئة قنبلة وهي إشارة النصر عندهم فاطمأن الدراويش ولكن محمد احمد جمع أمراءه وخلفاءه في جلسة سرية وقال لهم ان الحضرة جاءته فاوحت اليه أن يهاجر إلى الابيّض . فاعترضه الأمير محمد عبد الكريم قائلا « ان الهجرة ميسورة لنا في كل حين والطريق إلى الأبيض مطلق لنا فلنهاجم الخرطوم أولا فإذا امتنعت علينا هاجرنا إلى الأبيض وإذا فتحناها فلا يقوى الانكليز ولا غيرهم على اخذها منا » فاستحسن المهدي رأيه وصبر بضعة أيام وهو يستقصي أخبار الانكليز وحركاتهم . وفي 25 يناير بلغه قيام الباخرتين من المتمة فاقر على مهاجمة المدينة في الصباح يوم الاثنين في 26 يناير سنة 1885 » فبعث إلى القوات المحاصرة يقول إنه علم بالوحي ان اللّه قد جعل أرواح أهل الخرطوم كلها في قبضته
وفي مساء ذلك اليوم 25 منه قطع المهدي النيل الأبيض من أم درمان وكل من أراد الجهاد معه ونزل إلى معسكر ولد النجومي في كلا كلا وخطب هناك خطابا حث رجاله فيه على الجهاد وأوصاهم ان لا يقتلوا غوردون باشا . ولما أتم خطابه عاد ببطانته إلى أم درمان