وخلاصة الامر فاحجار السودان ورماله كادت تنطق بصوت واحد « صدق محمد احمد بدعواء » وكان إلى ذلك الحين مقيما في الرهد فكتب اليه أمراؤه من انحاء مختلفة ان ينزل برجاله إلى النيل الأبيض فكان يؤجل مسيره مظهرا الازدراء بقوة أعداءه والاعتداد بقوته ويستعرض جنوده كل جمعة استعراضا عموميا يحضره هو بنفسه والجيش إذ ذاك ثلاثة أقسام يرأس كل منهما خليفة من خلفائه . ولكن الخليفة عبد اللّه التعايشي كانت له الرياسة الكبرى ويلقب « رئيس الجيش » وفرقته تسمى « الراية الزرقاء » يتوب عنه في قيادتها اخوه يعقوب التعايشي . وفرقة الخليفة علي ولد الحلو تدعلى « الراية الخضراء » وفرقة الخليفة محمد الشريف تسمى « الراية الحمراء » أو « راية الاشراف » وتحت كل من هذه الرايات الثلاث رايات صغيرة لا يحصى عددها يجتمع حول كل راية منها مئات من الدراويش
وكيفية الاستعراض عندهم ان يقف امراء الراية الزرقاء براياتهم صفا واحدا يولون وجوههم المشرق ويقف امراء الراية الخضراء صفا آخر يقابل الصف الأول وجها لوجه ويقف امراء راية الاشراف صفا آخر يقابل الشمال فيؤلفون مربعا بنقصه ضلع كأنه باب يدخل به المهدي وحاشيته فيمر بجانب الصفوف يحييها قائلا « اللّه يبارك فيكم »
فلما انقضى رمضان تلك السنة قال محمد احمد انه قد أوحي اليه في الرؤيا « الحضرة » ان ينزل لمحاصرة الخرطوم وامر رجاله بذلك
« حصار الخرطوم »
فزحفوا برجالهم واحمالهم وأثقالهم ودوابهم فضربوا نقارتهم وساروا حتى أشرفوا على الخرطوم وسلاتين معهم فعسكروا هناك تحت راية التعايشي . وسار الامراء الآخرون يبحثون عن مكان آخر يعسكرون فيه . ثم امر المهدي ان يحدق جنده بالخرطوم ويشددو الحصار عليها فامر ابا جرجا وولد النجومي ان يحاصراها برجالها من البر الشرقي للنيل الأبيض عند مكان اسمه كلا كلا وامر ابا غنجة وفضل المولى ان يحاصرا طابية لم درمان على البر الغربي . وما زالوا محاصرين تلك الطابية حتى فتحوها في 15 يناير سنة 1885 وهي أول طابية فتحوها من حصون الخرطوم .
ويؤخذ من تقرير كتبه الشيخ المضوي أحد قواد المهدي في ذلك الحصار ان المهدي كان عازما ان يشدد الحصار على الخرطوم حتى تسلم من الجوع كما فعل بالأبيض وان