من بعيد كأنه جبل شامخ في معزل عن العمران والخصوبة تحوّل فكره إلى أحوال هذا البناء الهائل وإذا فكر في أنه قد مضى عليه سنة آلاف ستة وهو قائم بمكانه مشاهد على تعاقب الأمم والأجيال والحوادث . سأل كم مضى أيضا من الزمان قبل بنائه وما نسبة ذلك إلى ما بقي فعند ذلك لا يرد جوابا . قال بعضهم
الست ترى الأهرام دام بناؤها * ويفنى لدينا العالم الانس والجن
كأن وحي الأفلاك اكوارها على * قواعدها الأهرام والعالم الطحن
« المبحث السادس فيمن تهجم على الأهرام وحاول فتحها » « أو إزالة شئ منها وفي تاريخ ذلك »
قال بعض العلماء الإفرنج يظهر ان ملوك عائلة جمشيد هم الذين ابتدأوا بالتعدي على الهرم والظاهر أن ذلك كان في زمن « دريوس اكوس » إذ في زمنه قام المصريون على العجم وأرادوا طردهم من مصر فتغلب العجم عليهم واذلوهم وردوهم إلى طاعتهم وعند ذلك سطوا على معابدهم ومقدسيهم بالتخريب والتحقير ثم لما دخلت اليونان مصر تمسكوا بديانة المصريين وعوائدهم فمال إليهم المصريون ولكن لما وجدوا الأجساد المقدسة قد نبشت وضاع كثير منها لم يعتنوا لها كالاعتناء الأول فأخذت في النقص وطمس الذكر إلى أن اضمحلت أهمها بل نقل بعضهم عن هيرودوط ان جمشيد نفسه هو الذي فتح قبور الملوك وكانت قبل محترمة للغاية
وقال لطرون الفرنساوي ان الأهرام كانت مكسوة بحجارة مصقولة على قول الأكثر وان تلك الكسوة قد أزيلت باستطالة الأيدي عليها خلافا لمن يقول إنها بنيت هكذا غير مكسوة ثم قال إن ابتداء إزالة الكسوة كان في زمن العرب ولم يكن في زمن البطالسة ولا الرومانيين لأن هذه المباني في وقتهم كانت مقدسة تحت حماية الديانة فلما استولت العرب على مصر أخذ كثير من الناس في البحث عن الكنوز ففتح المأمون الهرم وكذا غيره ولما لم يجدوا شيئا أخذوا يبحثون في أعلاه فأزالوا المدماك الأول ثم حفروا في وسط الهرم من الأعلى طمعا في أن يصلوا إلى داخله فكان سعيهم على غير طائل ويظهر أن الكسوة بقيت إلى القرن السادس من الهجرة بدليل ما قاله عبد اللطيف البغدادي في رسالته وهو من أهل هذا القرن . وممن شاهد كسونها في العالم جرار المرسل من طرف فريدرك « بربروس » إلي صوب الملك صلاح الدين سنة 1185 ميلادية قبل سياحة عبد اللطيف بثلاث عشرة سنة إذ قال إن الهرم الكبير