طريق عجيب من الشكل والاتقان ولذلك صبرت على ممر الأيام لا بل على ممر صبر الزمان فإنك إذا تأملتها وجدت الازهان الشريفة قد استهلكت فيها والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها والأنفس النيرة قد أفاضت عليها اشرف ما عندها والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثالا في غاية امكانها حتى أنها تكاد تحدّث عن قوة قومها وتخبر عن سيرتهم وتنطق عن علومهم وأذهانهم وتترجم عن سيرهم واخبارهم وذاك ان وضعها على شكل مخروط ويبتدئ من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة ومن خواص الشكل المخروط ان مركز ثقله في وسطه يتسائد على نفسه ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه على بعض وليس له جهة أخرى يتساقط عليها ومن عجيب وضعه انه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع فان الريح تنكسر سورتها لمسامتتها الزاوية وليس كذلك عندما تلقى السطح . قال خردازيه
خليليّ ما تحت السماء بنية * تماثل في اتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكل ما * على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
تنزه طرفي في بديع بنائها * ولم يتنزه في المراد بها فكري
أخذ هذا من قول بعض الحكماء كل شئ يخشى عليه من الدهر الا الأهرام فان الدهر يخشى عليه منها . وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري
تضل العقول الهبرزيات رشدها * ولا يسلم الرأي القويم من الافن
وقد كان أرباب الفصاحة كلما * رأوا حسنا عدوّه من صنعة الجن
وفي كلام بعض علماء الإفرنج انه لم يكن في داخل الأهرام كتابة ولا زينة وليس ذلك ناشئا عن جهل بالنقش على الصخور فان القبور الموجودة من زمن بناء الأهرام إلى الآن فيها النقوش والكتابة وعلى الخصوص قبر المعمار الذي كان في زمن الفرعون ( سوفيس الأول ) وانما تجرد الأهرام عن النقوش كما زعم بعضهم اتساع اسطحتها الظاهرة فكانت كافية لان ينقش عليها ما يلزم نقشه بخلاف القبور
وتضاربت الأقوال في وجود كتابة داخل الأهرام الكبير وخارجها ولكن من المشاهدة والمباحثة التي أجريتها بنفسي في سنة 1893 ميلادية لم أرى اثرا يدل على وجود الكتابة . فلو قال قائل انها محيت مع مرور الزمان أقول ان الكتابة التي على الهياكل والمعاند الموجودة في ( لقصر ) وغيرها رأيتها باقية لحد الآن مع كونها عرضة للحوادث الجوية ولذلك احكم بعدم وجود الكتابة في داخلها مطلقا وقد استغربت عند زيارتي للاهرام المذكور من عدم وجود كتابة والنقش في طاهرها