تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
أهل القرية لنا ، ويخرج كل الزوار من المراكب وينزلون على شاطئها ويطهون الطعام ، وقد أخذ الشيخ مصطفى الرومي عشرة نعاج وطبخها وقدمها للجوعى والمساكين مصداقا لقوله - تعالى - :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
[ الإنسان : 8 ] فمما لا شك فيه أن هذا الجمع الكبير من الناس به المساكين والأيتام والفقراء حيث يتناولون الطعام جميعا ، وبعد الطعام والحمد والثناء يبدأ الذكر ، وفي وقت العشاء تسكن الرياح ويطلق الشيخ مصطفى طلقة مدفع من سفينته فيسير الموكب وتشعل آلاف القناديل في المراكب وتطلق السفن قذائف المدفعية والبنادق الفشنك . وقد مررنا في تلك الليلة ببلدان وقرى عامرة بالحدائق والبساتين وكأنها حدائق إرم ، وتزينت صفحة النيل المبارك بالسفن ، ويتولى الملاحون توجيه السفن يمينا ويسارا حتى يتمكنوا من اجتياز هذا المكان بسلام ، بينما الراكبون يذكرون ويرددون يا مولا يا فتاح ، وعندما يقول الشيخ مصطفى خليفة البدوي اذكروا اللّه يا إخوان ، يرد كل العاشقين والمشتاقين بكلمة التوحيد لا إله إلا اللّه ويبدأ المريدون في التهليل فيصبح وجه النيل المبارك كله ذكرا للّه ، ويغمر ماء النيل في النور ويدهش كل الموحدون ويصيحون وقد غابوا عن الوعي من شدة الوجد ، وعندما يستمع أهالي القرى الواقعة على ضفاف النيل ، وتسير السفن على هذا النحو حتى صلاة الفجر وعند صلاة الصبح ترسو كل السفن على جانب النيل . منزل قصبة التفاحية وهي قصبة عامرة تقع في أراضي الغربية بها ثلاثمائة منزل وحدائق وبساتين نخيل وجامعين ذوى مئذنة رشيقة موزونة وما يقرب من أربعين أو خمسين حانوتا وحمام ، ولهذه القصبة ملتزم ، بالجهة الجنوبية لها ضريح السيد داود العرب وهو مجاور لجامع باسمه ، وللسيد داود العرب مولد كل عام يجتمع فيه أناس كثيرون ، إنه شيخ عظيم في منزلة السيد البدوي وله مناقب في طبقات الشعراوي ، ولو دخل قاتل أو لص أو مدين تكيته لا يستطيع الحاكم أن يقبض عليه ، وذلك لأن المتهم الذي يدخل التكية لو ثبت في حقه أنه مذنب فإنه يتوب بمجرد دخوله التكية ، كما أن الدائن إذا دخل التكية يؤدى ما عليه ، إنه سلطان عظيم قدّس سره العزيز ، ويقوم كل
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 166 | اولياء چلبي