الوقت تكتسى أراضي مصر حلة عباسية سوداء . وما أن يبذر الفلاحون بذور البرسيم إلا ونمت في ليلة واحدة في طول شبر فترعى الأنعام فيه وتسمن أجسامها .
ثم تخلع مصر بزروعها الحلة العباسية السوداء وتكتسى قباء أخضر من زمرد ويعود إليها شبابها وترتد إلى الناس أرواحهم .
وفي هذا الوقت يشتد الشتاء في بلاد الترك ، أما في مصر فيكون الربيع في أوله وتخرج الجياد إلى المراعى .
الفصل الثالث :
وهو « طوبة وامشير وبرمهات » وهذه الأشهر تسمى في العربية جمادى الأول وجمادى الآخر ورجب ، وتخلع أراضي مصر حلتها المخملية الخضراء وتلبس خلعة فاخرة كالزعفران الأصفر وتصبح وكأنها ذهب إبريز ، وتصبح جميع الزروع وكأنها تنثر الجواهر وهذا الوقت وقت البيدر ، ووقت تحصيل المال السلطاني وقدره اثنتي عشرة خزانة وتحصل كذلك خزائن الأوقاف . إنه موسم الحصاد .
الفصل الرابع :
وهو أشهر برموده وبشنس بؤونه أي أشهر شعبان ورمضان وشوال وفي هذه الأشهر الثلاثة يكون موسم الحصاد وتصبح الأرض صفراء كأنها الذهب ، ويصدق القول بأن نيلها عجب وأرضها ذهب . وتسابق جميع الماشية والدواب إلى البيادر وتأكل الماشية كل الأعشاب ، ثم تكتسى أرض مصر حلتها العباسية السوداء ثانية ويجرى النيل كما قدر الله له أن يجرى ، وهو على تلك الحال إلى أبد الآبدين ، ويا لها من حكمة إلهية عجيبة والدهر يدور ويدور على هذا من حاله . وشهورنا هي التي تدور أما الشهور القبطية فلها الثبات . تلك أحوال الدنيا ولا وجود لجو مثل جو مصر .
ذكر مضار ماء النيل
كثر القيل والقال فيما يتعلق بالنيل ، غير أن هناك حديث نبوي شريف مؤداه أن النيل نهر من أنهار الجنة .