تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
حقا إنه ماء الجنة وله لذة جعلها الله لماء قلعة بلاد الترك أو لماء أربعين عينا في إسطنبول . والنيل وإن لم يمتزج ماؤه من منبعه إلى مصبه بماء نهر آخر فإنه يتشعب إلى شعب ، وهذا وارد في جميع كتب التواريخ وكتب علم الهيئة ، ولكن له طبيعة الامتصاص . وعندما تسقط النقطة ويبدأ النيل الفيضان تجرى مياهه مخضوضرة طيلة شهر بتمامه ، وعندئذ ينبغي على الذواقة التحرز من شرب مائه وإذا ما لزم شربه فينبغي أن يقطر ويغلى مع العلك « 1 » وبذلك يمكن شربه أو يمضى شرق مدينة القاهرة على مقربة من مدينة عين شمس ، حيث البئر التي حفرتها السيدة مريم أم المسيح عيسى عليه السلام ، ليشرب من مائها الطيب الذي يشبه ماء الحياة وذلك بفضل معجزة عيسى عليه السلام . وسبب جريان مياه النيل مخضوضرة طيلة شهر بتمامه ، والسبب في كونه مضرا كذلك ، هو : أن هذه المياه ركدت في الخلجان والترع منذ العام المنصرم وقد اختلطت بحشرات وحيوانات سامة مثل العقارب والأفاعي والحيات وذلك من شدة الحر ، وعندما تدخل مياه الفيضان آلاف البحيرات تكتسح أمامها المياه المسمومة وتخرجها وبذلك يجرى ماء النيل في القاهرة أخضر اللون . ومن شرب منه تورمت قدمه أو سائر جسده أو تورمت خصيته ، وإذا ما حملت زوجته ولدت طفله مصابا بالجذام . وينبغي شدة الاحتراز ويشرب الماء من الأسبلة طيلة شهر بتمامه . وماء النيل عظيم النفع للحصان والمرأة . ولكن بما أن مصر مملكة الفراعنة فإن جوها يجعل الناس جبابرة عتاة متكبرين ، وهم سريعو الغضب والملل ، ولا يدوم لهم السرور لأن أرزاقهم تعتمد على أوقاف الله . وكم من خواص وميزات للنيل إلا أننا اكتفينا بهذا القدر الذي ذكرناه . * * *
هامش
( 1 ) العلك : اللبان . وهو كل صمغ يعلك - يعنى يمضغ - فلا يسيل من لبان وغيره .
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 446 | اولياء چلبي