تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
وعند قطع النيل في رأس العام الحالي وفي السنة الماضية تسلم جميع الكاشفين والأمناء والملتزمين المحاصيل من القرى بتمامها ، وعندما سلموها زالت عنهم سلطتهم وصلاحيتهم وعين مكانهم نائب ، ثم عين لكل كاشف أغا لدى الباشا . وعندما دعى جميع الكاشفين للحضور في ديوان مصر أهدى كل أغا قدم على الكاشفين أربع آلاف پاره وجوادا مطهمّا وإذا كانوا قد أعطوا أكثر من ذلك فهو كرم من الكاشفين . وعزل الكاشفين في رأس السنة القبطية ، وبذلك اليوم يبدأ الاحتفال بمولد السيد البدوي الذي يدوم خمسة عشر يوما بلياليها وسط جو من الصخب والضجيج . إنه مولد جد عظيم ، بالمشاهدة حقيق . وإذا ما أفلس أحد الكاشفين أو الأمناء أو الملتزمين فر من الأغا الذي جاء لاستدعائه بأمر الباشا ولجأ إلى تكية أحمد البدوي معتصما بها . ولو قدم الملك بنفسه للقبض عليه لما استطاع إلى ذلك سبيلا . وإذا ما حاول أحد إخراج هذا الرجل من التكية بالقوة شلّ ساعده . ومن في هذه التكية من علماء وشيوخ ومتصوفة ، لا يسلمون لصا ولا مفلسا ولا قاتلا ، إلا أنهم يطيعون أولي الأمر من الحكام . أما الكاشف الشريف فيذهب إلى الديوان ، ويحاسب ويدفع ما في ذمته من مال السلطان ويحظى بخلعة .

ذكر الأفعال الشائنة في مصر

أما من أفلس من الكاشفين طرح في سجن ديوان الغورى ، وتعرض لعذاب مهين يندى له جبين من غلب على طبعهم الحياء ، ويهلكون خجلا من قبح ما يتعرض له الكاشف المفلس من عذاب . ويباع كل ما يملكه في المزاد ويخلو وفاضه . وإذا ما أدركت الوزير الرحمة له ، خلع عليه خلعة في العام المقبل وأعاده إلى منصبه ، فيطيب خاطره . وتصبح الولاية كأنها بحر طيلة ستة أشهر بتمامها بسبب قطع النيل ، ولا يستطيع الكاشفون مباشرة أعمالهم طيلة ستة أشهر بتمامها ، ويرسلون من ينوب عنهم يعاونه خمسمائة أو ستمائة رجل بسفنهم . وفي ذلك الوقت يكون الفلاحون وكأنهم تنين ذو سبعة رؤوس ويقعدون عن العمل ولا مال لهم من الأرض التي زرعت . فيركب مجرموهم سفنهم وينتقلون من ولاية إلى