تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

ذكر الميزات الحسنة لمصر

لقد قمت بسياحتى ولم أذكر إلا ما تأكدت منه اعتقادا جازما . ويفيض النيل المبارك وتجرى مياهه في 7000 خليج ، و 11000 ترعة في مصر وسوف أذكر كلا منها في حينه بمشيئة الله تعالى ، وتجرى مياه النيل في تلك الترع وتروى أراضي مصر الزراعية . والمطر لا يهطل في إقليم مصر إلا مرة أو مرتين في العام . وما لم يفض النيل والعياذ بالله وقع القحط وغلت الأسعار ، ومن هنا كان سر الاحتفاء بقطع النيل وفرط السرور به . ولولا النيل لكانت مصر جزيرة قاحلة . وإذا ما جاء النيل على ما يرام أصبحت جميع ولايات مصر بحرا . والقرى في مصر سواء كانت أوقافا لمكة والمدينة أو كشوفية أو تابعة لملتزم أو أمين والقصبات والمحلات والكفور فعددها ( ) « 1 » وجميعها تقع على أرض مرتفعة وكأن كلا منها جزيرة داخل النيل الذي يشبه البحر وتبقى النخلات مرتفعة الرأس في ماء النيل . وقد أقيمت مملكة مصر وفق علم الهندسة لأن بين كل قرية وأخرى مسافة يسمونها « ملاقى » ، وحيثما يطغى النيل على تلك الوديان أقاموا جسورا من التراب للمضى من قرية إلى قرية . والسد منها يرتفع بمقدار خمس أو عشرة قامات ، وحينما يفيض النيل يعبر الناس على هذه الجسور بخيلهم وحمرهم ، وإذا ما بلغ النيل هذه السدود وامتلأت به روى الأرض عشرة أيام ، بعد ذلك تفتح هذه السدود ويجرى النيل إلى واد آخر وتصبح مياهه وكأنها البحر ويروى أرض بلد آخر ، وتلافيا لوقوع النزاع بين الناس على ماء النيل يرسل الحاكم طائفة من جنوده مدججين بالسلاح لإجراء ماء النيل من قرية إلى أخرى لريها ، وما لم يوجد أحد من قبل الحاكم نشب القتال بين البدو والفلاحين . وفي بعض الجهات قناطر أو جسور يجرى النيل من تحتها . ويسمون النيل إذا دخل قرية ترعة كذلك ، ويجرى ماء النيل في هذه الترع ويروى أراضي الولايات . وأرض مصر كلها فروع من النيل وخلجان وترع وبرك شقها مهندسو الكهنة بفضل تعاليم النبي إدريس عليه السلام . وهذا كله ما يستحق المشاهدة .
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 439 | اولياء چلبي