تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
ولكن يا أحمد إن في ذلك حكمة ، وإن لي عشاقا مساكين يعفرون وجوههم على الحجر الذي يحمل أثر قدمي ، فينالون مرادهم ، ولقد نلت أنت الثواب لأن الدال على الخير كفاعله ، فبادر بإرسال أثر قدمي الذي اشتراه قايتباى بمال الغزو إلى ضريحه في مصر ، وإلا فأنت وما تشاء . وانفض المجلس ، فهب السلطان أحمد من نومه ، فدعى إلى مجلسه شيخ الإسلام زكريا أفندي ونقيب الأشراف قدسي أفندي وقره سنبل أفندي وأستاذنا أوليا أفندي وأسكودارى محمد أفندي ووالدي الدرويش محمد ظللى ، والدرويش عمر الكلشنى وقص عليهم جميعا رؤياه . فقالوا له : أرسل وقف الله إلى موضعه . وعندئذ أخرج السلطان قنطارا من الفضة الخالصة ، وكان والدي في ذلك الوقت رئيس صاغة الباب العالي ، فقام بصنع صندوق هو تحفة فنية ووشاه بالمينا والذهب والفضة ليوضع فيه الأثر ، وكتب عليه بخط ذهبي أبياتا من الشعر ، وبعد أن فرغ من ذلك سلمه ثانية إلى ( مراد الرئيس ) ، وكان ذلك في وقت مناسب ، إن أثر قدم النبي الذي لم يصل إسطنبول إلا بعد سبعة أشهر بعد مكابدة ألوان المشقة والعناء بلغ الإسكندرية في سبعة أيام ، وأحضر إلى القاهرة في يوم واحد ، وعندئذ حمله أعيان القاهرة في موكب عظيم إلى ضريح قايتباى ، ولله الحمد فقد مسحت أنا الضعيف وجهي بأثر قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ورأيت التحفة التي صنعها والدي وعلى هذا الصندوق خط أبى وهو تاريخ مسطور بالذهب والفضة وهو : وهذه الأبيات كتبها أبى بالفضة الخالصة .
بشوق حضرة سلطان أحمد * زيارة موطئ القدم المكرم
فحركه بجاذبة اشتياق * على أقدام أقدام فقدم
وسيره إلى قسطنطينية * فقال له تقدم خير مقدم
وادخل داره باليمن حبا * وتعظيما لصاحبه المعظم
حبيب الله سيدنا محمد * عليه ربنا صلى وسلم
وراجعه بإعزاز عظيم * إلى تلقاء موضعه المقدم
إلهي عمر سلطان أحمد * وقدمه على من تقدم
بحرمة صاحب القدم المعلا * له الدرجات العلا في الأفلاك سلم