تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤

الفصل الثاني والأربعون أوصاف مصيف مدينة السلطان قايتباى

كان إنسانا ذواقة ، ميالا للترف ، ولوعا بالصيد والقنص والفروسية ، ولذلك كان يطيب له جو هذه المدينة فعمرها . ففي مصر ما يعرف بأيام الخماسين وهي أيام تدوم خمسين يوما وتصيب الناس في جنوب مصر . والعياذ بالله - بالنحس والقذارة والأمراض المختلفة . ويقضى الناس خمسين يوما في خمول وإعياء وعناء ويتفشى فيهم الطاعون وتسوء أحوالهم أيما سوء ، وينفجر مخ الأجنة في بطون أمهاتهم في شهرهم الخامس ويتوفون ، وتسقط أسنان الشيوخ وحواجبهم ، ومنهم من يموت ومن تكتب له النجاة . لقد دعا سيدنا موسى على قوم فرعون فنزل بهم البلاء خمسين يوما . إنها أيام خوفهم التي يعبرون عنها قائلين : « آه خناق هنم خماسين » . وفي هذه الأيام يسعد باشا مصر لأن كثيرا من القرى تصبح قرى محلولة « 1 » ويتحصل له منها مال كثير . ولكن من حكمة الله أن هذه الأوقات العصيبة في مصر وهي أيام الخماسين تصادف موسم الربيع في بلاد الترك ويا لها من حكمة عجيبة . وكان السلطان قايتباى يقيم في ذلك المكان ستة أشهر لتلافى قذارة أيام الخماسين ، ولذلك صرف همته في تعمير هذا المصيف . ومصيف قايتباى الآن مكان نزه طيب النسيم وتشكل كل من القاهرة وبولاق ومصيف قايتباى مثلث ، وبين كل منها مسيرة ساعة ، وكلها حدائق عامرة ومن خارج باب الناصر - في الجهة الشرقية للقاهرة - وحتى العادلية طريق إسطنبول وطريق الحج ، ويقع مصيف قايتباى على هذا الطريق الرئيسي ، وعلى جانبي هذا الطريق كان يوجد 10000 قصر فخم ، ومنذ أن دخلت مصر في حوزة العثمانيين انقرض قوم الشراكسة وتخربت قصورهم في قايتباى هذه ، ولم يبق منها
هامش
( 1 ) محلولة : بمعنى شاغرة حلّت إدارتها وخرجت من التزام ملتزمها .