تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
الأوسط ، فجعلتني أنسجم بطريقة الحياة مع سكان العشائر بسهولة ، وأكيّف نفسي وفق أساليب عيشهم وأجد متعة في طريقة حياتهم . ولكن يصعب عليّ أن أجد في الوطن أولئك الناس الذين ينبذون عاداتهم الخاصة ويحاولون أن يكيفوا أنفسهم مع الحياة على طريقة المدنية الغربية . وفي العراق ، كأي مكان آخر ، هذا التبدل هو أمر محتوم . وإنني أعرف من أن الآخرين الذين هم أوسع أفقا وتفكيرا مني وجدوا هذا التبدل شيئا ممتعا وآمنوا بأهمية نتائجه . أما أنا فسيّان لديّ ، فضّلت أن أرى أقل ما يمكن من النتائج . فمثلا ، كنت أشعر بالضجر بشكل عام وبهمة مثبطة حينما يتطلب مني أن أمضي ليلة مع الموظفين العراقيين - وأنا اليوم ألوم نفسي لتصرفي هذا طالما أجد مضيفيّ أناسا أصدقاء وكرماء للغاية - وما سبب ضجري إلا انهماك مثل هؤلاء الموظفين في الأمور السياسية العراقية وأنا لا أملك عن الأمور السياسية إلا النذر ولا أهتم بها إلّا اهتماما قليلا بينما ينصب اهتمامي على أحوال العشائر والتي يرونها أمورا لا يسبر غورها أحد أو أنها أمور مشؤومة . فبإمكاننا أن نتحدث ساعات عن الأمم المتحدة وعن كل ما يفتن المرء في تمضية العطلة في باريس وعن أنواع صناعة السيارات أو عن تطوير بلدهم . واضطر في سبيل مجاراتهم أن أنافق وأكون مرائيا . بيوتهم مريحة إذا ما قارنتها بالأماكن العديدة التي نمت فيها ، فهي بيوت ذات طابق واحد ، بناؤها رخيص ، تعوزها المتانة والذوق ، لكنهم يقيسون المدنية بأسرها بتقدم المادة لأن تعليمهم كان قد علمهم ذلك . ولهذا السبب تراهم يخجلون من ماضيهم ويريدون نسيانه ، كما أنهم يحلمون بأن يعيشوا في بيوت حديثة كتلك البيوت المشيدة في ضواحي المدن ويعتبرونها الحياة المفضلة . أما ذوقي أنا ، فربما يذهب إلى أبعد من ذلك ، إلى الطرف الآخر . إنني أكره السيارات والطائرات والراديو والتلفزيون وهي في الحقيقة مظهر مدينتنا في السنوات الخمسين الماضية وأكون دائما سعيدا إن قاسمت في