وفي مساء ذلك اليوم عدنا إلى مضيف صدام . بقيت واقفا في الخارج أراقب مغيب الشمس وراء شتلات القصب الممتدة إلى مسافات شاسعة وهي عالية تصل إلى فوق الرؤوس . وأراقب أيضا الركام من الغيوم المستديرة ، منفوخة على شكل قطع متناثرة تتسلسل ألوانها من لون خشب الأبنوس إلى الذهب اللماع ثم إلى العاج القديم ، مقابل خلفية من اللون القرمزي أو البرتقالي والبنفسجي والجنازي والأخضر الباهت .
وأنت في مثل هذه الوقفة تسمع من جميع الجهات نقيق الضفادع الهائل العدد وأصوات أخرى كثيرة لا يستسيغها المرء ولا يستطيع أن يدوّن ملاحظاته عنها . كل ذلك كما لو أن الأهوار تتنفس .
إنك تسمع هذه الأصوات أكثر من أي صوت آخر ، حتى من أصوات صياح الوز وهي تسبح في الماء .
فالأصوات التي تسمعها في الأهوار هي عبارة عن صوت نباح كلب وصوت جاموس يريد أن يقبع في محل ما فيحدث صوتا كصوت الجمل وصوت رجل يغني أغاني الشوق ثم يتوقف حتى يردّ عليه شخص آخر .
وترى في الأهوار جواميس كثيرة ، تسبح عبر المياه المفتوحة ، متجهة إلى القرية لا ترى منها غير رؤوسها ثم يترك كل واحد منها أثرا حين الخروج من الماء .
كما ترى أعمدة الدخان تتصاعد من بين البيوت وهي كثيفة . يشعلونها حتى يطردوا البعوض عن مواشيهم .
وترى صبيا يجذف مشحوفه في الطريق المائي ، في طريق عودته إلى بيته ، يغني بصوت رخيم .
الصوت باق لا يزول في طبقات الهواء .
وفي هذه الأثناء ناداني صدام فدخلت إلى المضيف .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 77
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٧٧