تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
كان يزورها طيلة مدة دراسته في العمارة . يرتدي عند الذهاب إلى المدرسة سروالا مرقّعا برقعة كبيرة عند المقعد وسترة . كان يصقل شعر رأسه بدهن لمّاع ويغرقها على الطراز الأوروبي . وبعد زيارته لأمّه التي قد تدوم يومين ، كانت أمّه تقول لجاراتها باعتداد عندما يغادرها : « ابني متمدن . يأكل بالملعقة ويبول وهو واقف » . وفي إحدى زياراتي الكثيرة لقرية قباب ، دعانا ( داخل ) لحضور حفلة عرسه . تذكرت حاله حينما أرسلته إلى البصرة في السنة الماضية للمعالجة وكنت أعتقد أنه لن يعيش . لكن عاش بعد أن تشافى وأراه الآن أمامي بصحة جيدة . وكنت ألتقي به صدفة في مناسبات عديدة بين الفرطوس وفي قرية العكار وأخيرا في قباب . وكنت مولعا بهذا الصبي الخفيف الروح الذي يحب الجدل والهزل نوعا ما . وكنت أشعر بأني مسؤول عنه لذلك ساعدته بالمال . أما الآن فقد أعطيته خمسة وسبعين دينارا ليدفعها مهرا لعروسه . . كان مغرما بأخت صديقه وادي وها هو اليوم ينال مبتغاه فيتزوجها . وصلنا قرية قباب عند الظهيرة قبل يوم من حفلة العرس . وكنت في غاية السرور لأنني وصلت قبل الموعد . كان الجو حارا جدا ، والممرات المائية التي نسير فيها بين منابت القصب الميتة حارة جدا وكان العرق يتصبب من جسمي ومن جسم رفاقي إلى درجة تبللت ملابسهم فكأنهم قد خرجوا من الماء . الذي لم يكن باردا بل كان فاترا . سقطت عناكب كثيرة صغيرة داخل الطرادة وتكاثر البعوض حولنا كما تكاثر الذباب وكان تلسعنا بدون رحمة من خلال ثيابنا ولو أننا كنا نراها غير مؤذية . ولما وصلنا القرية وجدناها هامدة ، لا حركة فيها ، فكأنها مهجورة ، ينبعث منها البخار من تأثير أشعة الشمس في ذلك الصيف الحار . لم نجد