القصب أو في حقول الشلب إن بقي في قرية الرفيعية من بعد تركه المدرسة .
وكنت أتمنى بأن لا ينجرف فيما بعد ويصبح شخصا متسكعا في إحدى المدن . وكان الشباب يتوسلون إليّ دوما قائلين : « خذني معك إلى البصرة . صاحب . شوف لي شغل زين . ما أريد أبقى بهل المكان لأننا نعيش مثل الحيوانات - هل مكان زين إلى أبوي وأمي وأخوتي . أنا متعلم » . إذا بقي أمثال هؤلاء في قراهم فإنهم سيبقون ساخطين وناقمين ويقاسون المرّ ، لأنهم يحملون في مخيلتهم فكرة بأنهم لو استطاعوا الخروج من قراهم هذه فإنهم بتعلمهم البسيط هذا سوف يحصلون على كل ما تصبو إليه نفوسهم . وهذا اعتقاد خاطىء يدعو إلى الإشفاق . لأنهم لا يدركون بأن هناك مئات من آلاف الشبان الآخرين في العراق بالمؤهلات نفسها . وفي الحقيقة ، إذا ما تركوا بيوتهم وذهبوا إلى المدن فإن حياتهم تنتهي على أكثر احتمال بقيامهم ببيع الجرائد أو بيع مشروب الكوكا كولا في بغداد أو البصرة إضافة إلى قيامهم بارتكاب جرائم السرقة من السيارات أو اشتغالهم كجباة لدى سائقي السيارات حتى يؤمنوا لهم دوام العيش .
وجدت جميع الآباء متلهفين لإرسال أطفالهم إلى المدرسة ، غير أنني أتذكر رجلا عجوزا يسكن في قرية تقع على نهر العدل قال لي : « ابني صار عنده شغل زين ويّه الحكومة في البصرة . نحن فقراء مثل ما تشوف ، صرفت عليه فلوس كثيرة عندما كان يدرس في العمارة مدة عشر سنوات في المدرسة . وبعدين ، كنت أظن راح يساعدنا ويدير باله علينا . هسه لا يساعدنا ولا يقترب منّا . كنا سعداء لما كان طفل يعيش معنا لأنه كان إبننا الوحيد . هذا التعليم هو شيء موزين . صاحب . تسرق أولادنا » .
ورأيت في مكان آخر امرأة عجوزا بالقرب من قرية قباب . كان زوجها قد طلقها . وجدت لها ، على أية حال ، عمل تكتسب منه مالا في مدينة العمارة . تعمل كحارس ليلي . لم تكن تشك بعدم مساعدة ابنها لها .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 284
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٢٨٤