وكنت قد كيّفت نفسي حينما كنت بين البدو على أكل الأرز والحليب . وهنا في هذا المكان كنت أتوقع أن يذبحوا لنا على الأقل دجاجة ، لكنهم لم يفعلوا ذلك . وعندما حلّ المساء وجلسنا لتمضية الوقت مع مضيّفنا رأيته يبدأ في سب الفريجات ويلعنهم مما حدا بي لأدافع عنهم بشكل مفرط .
وفي صباح اليوم الثاني ، طلب منا أحد الرجال من منطقة الكحلا أن نحمله معنا في الزورق فسرّنا ذلك لأنه سيرشدنا في سيرنا من خلال منابت القصب الكائنة أمامنا لأن ياسين كان قد سألهم في مسار اليوم السابق بعض الأسئلة ليحصل منهم على معلومات وافية عن الطريق الذي سنسلكه فأجابوا بضرورة وجود أحد الأولاد معنا وإلا سنتوه . كنا نسلك طريقا يمر من خلال القصب العالي وعبر بحيرة صغيرة ، يصعب علينا تمييزه . وإنني أتذكر جيدا بأنني سمعت لأول مرة صوت الطائر الواق في هذه السفرة .
أمضينا أربع ساعات في سيرنا حتى وصلنا إلى قرية دبن
Dibin
وهي القرية التي نقصدها وتقع على مصب نهر الكحلا . كان رفاقي ماهرين في تذكّر الطريق واكتسبوا معلومات كثيرة عن الأهوار خلال السنوات التي أمضوها معي بحيث لا يدانيهم فيها أحد . وكانوا ، غريزيا ، يهتدون إلى الطريق الصحيح حينما نكون في أماكن لم نصلها من قبل أبدا . وقد لاحظت خاصة هذا الشيء حينما كانوا يبحثون عن الطريق الصحيح بين القصب والجزر الصغيرة الواقعة على امتداد حافة البحيرة حتى يجدوا مدخل مصب النهر الصغير الذي لا يمكن تمييزه من بين مئات المجاري الأخرى المؤدّية هناك .
وهؤلاء الناس يكتسبون المهارة في إيجاد الطريق منذ طفولتهم حينما يتعقبون أثر خنزير يسبح في الماء . وبمقدورهم معرفة نوع السمك من الأثر الذي يخلّفه أو معرفة الزورق من أول لمحة يرونه فيما إذا شاهدوه من قبل ، وعلى أية حال ، أقول من الغريب أنهم لا يتذكرون الأسماء . وأنا