كنت أقصّ عليهم الخبر ، جيء بالعشاء فأكلنا بصمت كما هي العادة ثم أخذنا نتكلم بعد ذلك إلى أن جاء الخدم ومعهم الفرش وبدأوا يرتبونها حول جوانب الغرفة .
ولما أصبح الصباح ، كان المضيف في هرج ومرج ، فبدأ النائمون ينهضون تباعا ويغسلون أيديهم ووجوههم وبعضهم يتوضأ حتى يؤدي صلاة الفجر . جلسنا على طول الجدران ولف الخدم الفرش ثم رفعوها . هيأوا القهوة وبدأنا نشربها ثم جاء صبي يحمل طبقا كبيرا مملوءا بأقراص أرغفة من الخبز وألقى واحدا أمام كل شخص منا . فبدأنا نأكل الخبز ونشرب قدحين أو ثلاثة أقداح من الحليب المغلي .
وجاء الشيخ مجيد فنهضنا إجلالا واحتراما لمقامه وكان يصحبه ابنه الأصغر خلف وابن فالح عبد الواحد وآخرون من أسرته .
حيّانا ثم جلس في المكان نفسه الذي كان فيه قبل يوم وجلسنا نحن أيضا في أماكننا حول الجدران .
بدأ الناس يدخلون المضيف بالتدريج حتى أكتظ بهم . وراقبت الشيخ مجيدا فرأيته متعبا جدا ، محطم القلب ، مملوءا بالأسى والحزن . لحيته رمادية اللون غير محلوقة وكرشه الكبير يتدلى أمامه وهو رجل عجوز . أخذ يتكلم بعنف وغضب ويقول : « ليش يكون الموت لفالح ؟ ليش فالح ؟ يا رب ، هسه ما بقي عندي أحد » . وتذكرت أن ولده الأخير خريبط كان قد قتل قبل ثلاث سنوات .
وحاول من كان بجانبه تهدئته فقال له : « عندك خلف وعبد الواحد » .
لكنه صاح « لا . لا . ما عندي أحد . هسه ما عندي ولد . أرضي إيش راح يصير بها لما أموت ؟ أيش راح يصير لأرضي هسه بعد ما مات فالح ؟ » .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 240
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٢٤٠