فقال لي « مع السلامة » وأجبته « ابق في حفظ اللّه » . ولما خرجت من الدار بدأ المطر ينهمر واستمر هطوله طوال النهار بأسره .
وبعد بضعة أشهر ، صادفت طبيبا إنكليزيا ، إختصاصيا في أمراض القلب ، مستخدما في بغداد من قبل الحكومة العراقية . كان في البصرة حينما جاءوا بفالح إلى المطار . ولما سمع بالحادث ذهب من تلقاء نفسه إلى المطار وفحصه وأراد أن يجري له عملية جراحية فورا حتى يزيل ضغط الدم المتخثر حول قلبه . لكن ، قيل له بأن الشيخ مجيد قد أصدر أوامره بنقل ابنه إلى بغداد ، وحاول الطبيب أن يشرح لهم بأنه هو الطبيب الاختصاصي في القلب لدى الحكومة في بغداد ، وهو الطبيب الوحيد بالبلد . وأكّد لهم بأن الفرصة الوحيدة لإنقاذ حياة فالح هي السماح له بإجراء العملية فورا . رفضوا طلبه . ثم قال لي لا شيء في الحقيقة يمكن أن ينقذ حياة فالح . وأظهر التشريح الطبي بعد الوفاة بأن الكرات الكبيرة قد أتلفت القلب ، وقطعت الأعصاب الكبيرة وحطمت الرئة .
إنّ أشد ما أدهشه هو كيف بقي فالح حيا طوال هذه المدة الطويلة ثم استدرك وقال لا بد أنه كان قويا بشكل استثنائي .
وبعد ثلاثة أيام ذهبت إلى قرية فالح لأشارك في الحزن والحداد .
وصلت القرية وقت الظهر تقريبا . وكنت أسمع عويل النساء وضرباتهن الإيقاعية على صدورهن وأنا لا أزال بعيدا عن القرية . ولما وصلتها رأيت زوارق كثيرة راسية على الساحل وحشدا كبيرا خارج المضيف ورايات عشائرية عديدة موضوعة في المدخل وكانت طياتها الحمراء والنقوش الفضية على سارياتها تلمع مقابل جدران القصب تحت أشعة الشمس البراقة . وكان الجميع جالسين بسكون داخل المضيف الذي كان معتما حيث جلس الرجال ، وعباءاتهم ملفوفة حول أجسامهم ، على طول جدران المضيف وهم لا يبدون حراكا ، ولما دخلت همس أحدهم بأذني قائلا :
« الشيخ مجيد جالس هناك » فعبرت الغرفة وحييته وصافحته ثم بحثت عن
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 236
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٢٣٦