دشداشة داير الداكنة . حدث كل هذا الشيء في مدة تقل عن ( 24 ) ساعة ، وكان قبلها يرحب بمقدمي عندما أتيت إلى داره .
إلى الآن كنت فاقد الحس والوعي ولم أستوعب ما حدث . أخذت أحدّث نفسي قائلا بأنها حادثة أصيب فيها فالح بجرح بليغ . أما الآن فإنني مقتنع بأنه سيموت . فإذا بكيت عليه مثلما يبكون فسيعلم الذين هم من حولي إنه سيموت . لذلك ، ضبطت نفسي ومنعتها من البكاء ، ووجدت ، نفسي أنا الذي كنت أشاركهم في السراء والضراء ، عاجزا عن التعبير عما يجيش به صدري من الألم في مثل هذا الموقف الحزين .
أخيرا ، وفي ساعة متأخرة من بعد الظهر ، وصلنا إلى قرية فالح .
جاءوا بهيكل سرير ورفعناه لنضعه عليه ثم نقلناه إلى داخل البيت وسط الحشد المتجمع اللاواعي .
دخل أكثر ما يمكن من الناس داخل الغرفة وبقوا صامتين . أما في خارج البيت فقد ارتفع العويل وبدأت النسوة يضربن على صدورهن العارية بأيديهن فتسمع صوتا كأنه صوت الطبول .
فتح فالح عينيه وحدّق في سقف الغرفة ، نظرت إلى وجهه الذي استبشرت فيه علامات الحياة فرأيته باهتا وشاحبا جدا من كثرة النزيف وكأن وجهه قناع من الشمع لا حسّ فيه ولا حراك . ورجاني الناس بأن أعطيه الدواء وأبوا أن يصدقوا بأنه ليس بوسعي أن أفعل أي شيء . تنحيت بعبد الواحد جانبا وقلت له بأن الأمل الوحيد هو أن نأخذ فالح إلى المكان الذي يمكن فيه من إجراء عملية نقل الدم . وأن كل لحظة تمضي تقلل من فرص نجاته . وافقني على رأيي ولكنه لم يفعل أي شيء . ووقف أناس آخرون حول الفراش وهم يقولون بصوت مسموع « راح يموت » . « نعم . هو ميت تقريبا » . « واللّه ، فالح ما يستحق الموت بهل شكل » .
طلب فالح الماء همسا ، ولكن حينما جاؤوه به لم يتمكن من بلعه فسال حول ذقنه وتبللت دشداشته .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 231
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٢٣١