للمسافر الأوروبي في هذه البلاد ليثير ذعر العرب لا ليستخدمها فعليا .
في 19 كانون الأول / ديسمبر ، وصلنا لملوم ، وهي قرية كبيرة يقيم فيها شيخ قبيلة خزعل ، لكنه لا يعيش في منزل أبهى من منازل رعاياه بل في كوخ حقير من قصب . أما الضابط المريض الموجود امام غرفتي ، فلم يتوفّه الله ، ولم تتحسن صحته وكنت قد مللت رفقته في هذه الرحلة ، وعلمت أن الدرب آمن نوعا ما عبر الرماحية إلى مشهد علي ، وهي مدينة قررت المرور بها من الحلّة ، فقررت ترك المركب . ووعدت شيخا مسلما من بغداد بالسفر معي مجانا إلى مشهد علي ومشهد الحسين ، فأبدى استعدادا لمرافقتي ، ونزولا عند رغبته ورغبة خادمي ، وهما من أهل السنة إلى قرية بائسة على الضفة الأخرى للنهر تدعى ماشويرة
( Mashwira )
. حضّر لي الشيخ كوخا حقيرا بالكاد يتسع لثلاثة اشخاص ، ولم يكن منزله أفضل حالا أو أكبر لذا لم اشتك منه ، لكن الجياد التي وعدني بها لن تصل في اليوم التالي فاضطررت للبقاء ليلة أخرى عنده . ولم يعجبني هذا الرجل لأنه وديّ للغاية ولأنه تفحّص كل ما احمله معي بدقة ، وساورتني الشكوك حوله ، فقررنا القيام بحراسة المنزل كل بدوره ، وتركنا القنديل مضاء طوال الليل ، لكن خادمي لم يكن معتادا على السهر فنام ، ولاحظ اللص ذلك ، وفيما كان يسرق آلتي الطابعة ، استيقظت وأثرت جلبة فسارع الشيخ وأظهر غضبا شديدا من تصرّف كهذا في قريته . وركض في الحقول وراء اللص كما أرسل الفلاحين إلى نقاط أخرى لكن الجميع عاد خالي الوفاض ، ولا أشك أبدا ان الشيخ واللص واحد ، لكن الفطنة تقتضي شكره على سعيه وتقديم هدية صغيرة له . وبما أنه لم يعد يأمل أن يفاجئنا أثناء نومنا ، ثم تحضير الجياد للرحيل في اليوم التالي .
وفي 21 اجتزنا سبعة فراسخ ونصف أو حوالي خمسة أميال ونصف نحو الشمال الغربي حتى الرماحية . ولم أر على هذا الدرب أيّ مسجد لكن الكثير من القبب أو الصروح الصغيرة التي تعلو قبور الأولياء المزعومين ، ويحيط بها ما يدل على أن بعض القرى كانت تقوم في المكان . إن كافة الأراضي خصبة ، لكن العديد من القنوات الصغيرة التي كانت تروي المنطقة جافة حاليا وقلما نصادف قرى فيها ، لكن نرى قطعانا كبيرة من الغنم والجياد . وقرب الرماحية ، هناك قناة كبيرة تتلقى مياهها من الفرات يبعد عنها ميلا ونصف الميل ، ثم تعود وتصب فيه قرب السماوة ( راجع اللوحة
XLI
) ، وكانت هذه القناة صالحة للملاحة منذ سنوات ، لكن المياه لا تجري فيها حاليا إلّا إذا بلغ منسوب المياه في الفرات أعلى ارتفاع له ، وألفيتها أنا جافة تماما .
بنيت مدينة الرماحية في سعة ، وتتألف من حوالي 400 منزل ، يحيط بها سور عال لكنه شيّد من الآجر غير المشوي كما في البصرة وفي القرنة ، ولا يعمل أحد على تصليحه وصيانته فيمكن العبور من خلاله من جهات عدة . ونجد في المدينة مسجدا عظيما وحماما مفتوحا جميلا للغاية ،