وقد بنيت معظم المنازل من الآجر غير المشوي . يعيش السكان من الزراعة ومن حدائق البلح ، ويقال إنهم أثرياء مقارنة على ما أظن مع فلاحي القرى المجاورة . ويجمع شيخ قبيلة خزعل رسم مرور في الرماحية ، فيبدو بالتالي إن الشيعة يسيطرون هنا .
أقمت في الرماحية عند رجل سنيّ وقد سررنا بإقامتنا ، وبقي مضيفي وهو إمام المسجد وبالتالي زميل لرفيقي في غرفة مفتوحة من الامام ، ولاحظت ان عادات المسلمين تختلف كليا عن عاداتنا .
كانت حماته تجلس امام المنزل ، وامرأته تعمل على تحضير الطعام على مسافة منا ، وأخبرته ان الأوروبي حين يزوّج ابنته لا يتلقى المال من الزوج ، وإن كان الأب ثريا ، يعطيه مبلغا من المال يسمح له بالعيش وزوجته عيشة لائقة . وأعجبت هذه العادة مضيفي ، فسأل حماته إذا ما سمعت ما قلته ، وأضاف : « لم تتصرفي معي بهذه الطريقة ، يا أماه ، وأجبرتني على دفع المال قبل ان تعطيني ابنتك ، الخ » . وبعد أن استفاض الزوج على هذا المنوال ، قالت الام : « آه يا بني ! كيف كنت سأعيش وابنتي إن أعطيتك حقلي وثمري » ؟ ثم أخبرته أنه لا يسمح للرجل بأن يتزوج أكثر من امرأة واحدة ، تحت طائلة التعرض لعقوبة الموت ، وأن أملاكه تعود لأولاده ، فانبرت العجوز تقول :
« هل سمعت يا بني ما قاله هذا السيد ؟ لا بد أن العدالة تسود في البلد الذي يتحدث عنه ! » وتدخلت المرأة ، التي بدت وكأنها لم تكن تسمع حديثنا ، فقالت : « آه يا زوجي ، كيف يمكنك ان تطلب من أمي ان تمنحك منزلها . كنت لتعطيه لزوجاتك الاخريات فأنت تحبهن أكثر مني وأنا نادرا ما أراك » . وتابعت المرأة وأمها حديثهما على المنوال نفسه ، وأخيرا ، سألت مضيفي عن عدد زوجاته ، فأجابني اربع ، ولكن يكلّفنه الكثير ، إذ لكل منهما منزلها وحديقتها حيث تعيش وأولادها ، أما هو فلم يكن له منزل محدد ، لأنه يجد عند كل منهن الطعام والمأوى والمبيت . وحين سألته إن كان يعيش بسلام أكبر مذ تزوج أربع نساء . فلم يصدقني الجواب ، شأنه في ذلك شأن كافة المسلمين الذين يشيدون بتعدد الزوجات .
في 22 كانون الأول / ديسمبر ، قطعنا سبعة فراسخ أو حوالي خمسة أميال من الشمال الغربي نحو غرب مشهد علي . وشاهدت على هذه الطريق العديد من الأقنية الجافة والقبب الصغيرة ، ويستخدم الفقراء هذه الأخيرة بدلا عن المصليات في غياب المساجد الجيدة ، لكن نجد هنا حقولا مزروعة أكثر مما نجد في الجهة الأخرى للرماحية . أخذت مدينة مشهد علي اسمها من مسجد رائع بني تكريما لعلي ، رابع خلفاء المسلمين ، ويزوره الشيعة من كافة البلاد كما يزور المسلمون كلهم مكة .
ويوّد الشيعة حتى بعد وفاتهم الحج إلى هذه المدينة التي يعتبرونها مقدسة ، إذ ينقل إليها الموتى من الرماحية ولملوم والحلّة وبغداد وغيرها من المدن المجاورة فضلا عن بلاد فارس وحتى الهند .
سمعت في الزبير أو البصرة القديمة عن ميت دفن سنة كاملة ، ثم نبش قبره ونقل إلى هذه
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 210
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢١٠