تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
القرى بعيدا بعض الشيء عن النهر ، وهي سيئة العمران مما يدل على أن المشايخ لا يتركون للسكان ما يكفيهم ، وقد بنيت المنازل والأكواخ من الأسل ، باختصار ، لم أر أكواخا بحقارة تلك الموجودة في هذه المنطقة التي أنعمت عليها الطبيعة بالخصب والتي ذاع صيتها واكتظت بالسكان في ما مضى . أما الأراضي الممتدة بين العرجة والسماوة فغير مزروعة أيضا ، ولا تعتبر الأسماء الواردة على اللوحة
XL
أسماء قرى . تدعى المنطقة على ضفتي الفرات الجزيرة ، ولعل السبب يعود إلى كثرة الأقنية الموجودة والتي جعلت من البلاد في ما مضى مجموعة من الجزر . ويتميز سكان قرى الفرات بمهارتهم في السباحة كسكان ضفاف النيل ، كما يعرف عنهم أنهم لصوص بارعون ، أما البحارة فمهملون ، كما في مصر ، ولا يحرسون أثناء الليل ، لذا يستغل اللصوص الفرصة ، ويصعدون على متن المركب ليلا ، فإن وجدوا الركاب نياما جمعوا ما يجدون على ظهر المركب وقفزوا بما طالته أيديهم في الماء . وفي أحد الأيام ، حاولوا الامر نفسه على مركبنا ، لكن الانكشاري المريض فشّل محاولتهم ، إذ لم يكن نائما ، وفي يوم آخر ، جاؤوا في قوارب خفيفة وصغيرة من خلف مركبنا ، وسرقوا لي حوضا للاغتسال وبعض الأشياء الأخرى التافهة ، لكني استيقظت عندها فلم يتمكنوا من سرقة أشياء أخرى إذ أطلقت عيارا ناريا أرعبهم وجعلهم يقفزون من قواربهم إلى الماء . وكان مستوى المياه بين العرجة والسماوة منخفضا للغاية حتى أن المركب لامس القاع عدة مرات ، وبما أن الرياح وحركة المدّ والجزر عاكستنا اضطررنا إلى سحب المركب ، وأوقفنا العرب مرارا . جلست على سطح المركب مسلحا ، وقد اعتمرت عمامة الانكشاري المريض ، وبقي بعض التجار من بغداد على مقربة مني وكأنهم ينتظرون أوامري ، وحين يسأل العرب عمن على متن المركب ، اعتاد القبطان ان يجيب انه آغا من بغداد مع ستة شكدار
( Tschokadars )
. ولا أعلم إن كان العرب قد صدقوا هذا الادعاء ، لكنهم التزموا حدود الأدب ولم يطلبوا سوى بعض التمر الذي قدمته لهم عن طيب خاطر بصفتي الآغا . ومنذ ثلاثة أسابيع ، تم نهب مركب محمل بالتمر في هذه المنطقة ، وقتل المسافرون الذين رفضوا اعطاء ما يحملونه . وبعد ذلك ، لامس مركب آخر القاع فأخذ العرب ينزلون حمولته ، عندها أصبح المركب أخف فعام وأبحر القبطان كما أمر بقتل العربيين اللذين بقيا على متن مركبه وأرادا سلبه ما تبقى . ولن يلوم أي أوروبي المسافرين على فعلتهم ، لكن عقلية العرب مختلفة ونظرتهم للأمور مغايرة ، كانوا يعلمون أن على متن هذه المراكب أناس من القرنة ومن السماوة ، فطالبوا بالديّة من هاتين المدينتين ، وظننا أننا بهذا الادعاء سنرضيهم . ولو اني قتلت أو جرحت عربيا خلال هذه الرحلة ، لطالب أخوه القبطان الذي بدوره سيطالبني ، ولكنت دفعت أكثر من المسلمين لأنني مسيحي أراق دم مسلم . نستنتج بالتالي ان الأسلحة النارية الجيدة ضرورية